الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 1371 ) فصل : إذا جلس في مكان ، ثم بدت له حاجة ، أو احتاج إلى الوضوء ، فله الخروج . { قال عقبة : صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر ، فسلم ، ثم قام مسرعا ، فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال : ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني ، فأمرت بقسمته } رواه البخاري ، فإذا قام من مجلسه ، ثم رجع إليه فهو أحق به ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم { من قام من مجلسه ، ثم رجع إليه ، فهو أحق به } .

                                                                                                                                            وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة . ( 1372 ) فصل : وليس له أن يقيم إنسانا ويجلس في موضعه ، سواء كان المكان راتبا لشخص يجلس فيه ، أو موضع حلقة لمن يحدث فيها ، أو حلقة للفقهاء يتذاكرون فيها ، أو لم يكن ; لما روى ابن عمر ، قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل - يعني أخاه - من مقعده ، ويجلس فيه . } متفق عليه .

                                                                                                                                            ولأن المسجد بيت الله ، والناس فيه سواء ، قال الله تعالى : { سواء العاكف فيه والباد } فمن سبق إلى مكان فهو أحق به ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من سبق إلى ماء لم يسبق إليه مسلم ، فهو أحق به } رواه أبو داود ، وكمقاعد الأسواق ، ومشارع المياه والمعادن ، فإن قدم صاحبا له ، فجلس في موضع ، حتى إذا جاء قام النائب وأجلسه ، جاز ; لأن النائب يقوم باختياره ، وقد روي أن محمد بن سيرين كان يرسل غلاما له يوم الجمعة ، فيجلس فيه ، فإذا جاء محمد قام الغلام ، وجلس محمد فيه .

                                                                                                                                            فإن لم يكن نائبا فقام ليجلس آخر في مكانه ، فله الجلوس فيه ; لأنه قام باختيار نفسه ، فأشبه النائب .

                                                                                                                                            وأما القائم فإن انتقل إلى مثل مكانه الذي آثر به في القرب ، وسماع الخطبة ، فلا بأس ، وإن [ ص: 102 ] انتقل إلى ما دونه ، كره له ; لأنه يؤثر على نفسه في الدين .

                                                                                                                                            ويحتمل أن لا يكره ; لأن تقديم أهل الفضل إلى ما يلي الإمام مشروع ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : { ليلني منكم أولو الأحلام والنهى } ولو آثر شخصا بمكانه ، لم يجز لغيره أن يسبقه إليه ; لأن الحق للجالس آثر به غيره فقام مقامه في استحقاقه ، كما لو يحجر مواتا ، أو سبق إليه ، ثم آثر غيره به .

                                                                                                                                            وقال ابن عقيل نحو ذلك ; لأن القائم أسقط حقه بالقيام ، فبقي على الأصل ، فكان السابق إليه أحق به ، كمن وسع لرجل في طريق ، فمر غيره ، وما قلنا أصح ، ويفارق التوسعة في الطريق ، لأنها إنما جعلت للمرور فيها ، فمن انتقل من مكان فيها لم يبق له فيه حق يؤثر به ، وليس كذلك المسجد ، فإنه للإقامة فيه ، ولا يسقط حق المنتقل من مكانه إذا انتقل لحاجة ، وهذا إنما انتقل مؤثرا لغيره ، فأشبه النائب الذي بعثه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له .

                                                                                                                                            ولو كان الجالس مملوكا ، لم يكن لسيده أن يقيمه ; لعموم الخبر ، ولأن هذا ليس بمال ، وهو حق ديني ، فاستوى هو وسيده فيه ، كالحقوق الدينية كلها ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية