الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو ، وجب لرجل على رجل حق من مال ، أو كفالة بنفس ، أو غير ذلك ، فأكره بوعيد قتل ، أو حبس حتى أبرأ من ذلك الحق كان باطلا ; لأن صحة الإبراء تعتمد تمام الرضا ، وبسبب الإكراه ينعدم الرضا ; وهذا لأن الإبراء عن الدين ، وإن كان إسقاطا ، ولكن فيه معنى التمليك ، ولهذا يرتد برد المديون ، وإبراء الكفيل ، فرع لإبراء الأصيل ، والكفالة بالنفس من حقوق المال ; لأن صحتها باعتبار دعوى المال ، فلهذا لا تصح البراءة في هذه الفصول مع الإكراه كما لا تصح مع الهزل ، وكذلك لو أكره على تسليم الشفعة بعد ما طلبها ; لأن تسليم الشفعة من باب التجارة كالأخذ بالشفعة ، ولهذا ملكه الأب ، والوصي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله .

والتجارة تعتمد تمام الرضا ، وذلك يعتمد بالإكراه ، ولو كان الشفيع حين علم بها أراد أن يتكلم بطلبها ، فأكره حتى سد فمه ، ولم يتركه ينطق يوما ، أو أكثر من ذلك كان على شفعته إذا خلى عنه ، فإن طلب عند ذلك ، وإلا بطلت شفعته ; لأن المسقط للشفعة ترك الطلب بعد التمكن منه .

( ألا ترى ) أن ترك الطلب قبل العلم بالبيع لا يبطل الشفعة لانعدام تمكنه من الطلب [ ص: 66 ] وهو لم يكن متمكنا من الطلب هنا حين سد ، فمه ، أو قيل : له لئن تكلمت بطلب شفعتك لنقتلنك ، أو لنحبسنك ، فهذا لا يبطل شفعته ، فأما بعد زوال الإكراه إذا لم يطلب بطلت شفعته لترك الطلب بعد التمكن ، فإن قيل : أليس أن الإكراه بمنزلة الهزل ، والهازل بتسليم الشفعة تبطل شفعته ، فكذلك المكره على تسليم الشفعة قلنا إذا هزل بتسليم الشفعة قبل الطلب بطلت شفعته لترك الطلب مع الإمكان لا بالهزل بالتسليم ، فأما إذا طلب الشفعة ، ثم سلمها هازلا ، واتفقا أنه كان هازلا في التسليم لم تبطل شفعته ; لما بينا أنه بمنزلة التجارة يعتمد تمام الرضا .

فإن قال المشتري : إنه لم يكف عن الطلب للإكراه ، ولكنه لم يرد أخذها بالشفعة ، وقال الشفيع : ما كففت إلا للإكراه فالقول قول الشفيع ; لأن قيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه إنما كف عن الطلب للإكراه ، ولكنه يحلف بالله ما منعه من طلب الشفعة إلا الإكراه ; لأن المشتري ادعى عليه ما لو أقر به لزمه ، فإذا أنكره استحلف عليه . .

التالي السابق


الخدمات العلمية