الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وأما السكر ، فهو النيء من ماء التمر المشتد ، وهو حرام عندنا ، وقال شريك بن عبد الله : هو حلال لقوله تعالى { : ومن ثمرات النخيل ، والأعناب تتخذون منه سكرا ، ورزقا [ ص: 4 ] حسنا } ، والرزق الحسن شرعا ما هو حلال ، وحكم المعطوف ، والمعطوف عليه سواء ، ولأن هذه الأشربة كانت مباحة قبل نزول تحريم الخمر فيبقى ما سوى الخمر بعد نزول تحريم الخمر على ما كان من قبل .

( ألا ترى ) أن في الآيات بيان حكم الخمر ، وما كان يكثر وجود الخمر فيهم بالمدينة ، فإنها كانت تحمل من الشام ، وإنما كان شرابهم من التمر ، وفي ذلك ورد الحديث : { نزل تحريم الخمر ، وما بالمدينة يومئذ منها شيء ، } فلو كان تحريم سائر الأشربة مرادا بالآية لكان الأولى التنصيص على حرمة ما كان موجودا في أيديهم ; لأن حاجتهم إلى معرفة ذلك .

وحجتنا في ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : الخمر من هاتين الشجرتين الكرم ، والنخل } ، ولم يرد به بيان الاسم لغة ; لأنه ما بعث مبينا لذلك ، وبين أهل اللغة اتفاق أن الاسم حقيقة للتي من ماء العنب ، وواضع اللغة خص كل عين باسم هو حقيقة فيه ، وإن كان قد يسمى الغير به مجازا لما في الاشتراك من اتهام غفلة الواضع ، والضرورة الداعية إلى ذلك ، وذلك غير متوهم هنا ، فعرفنا أن المراد حكم الحرمة أن ما يكون من هاتين الشجرتين سواء في حكم الحرمة ، ولما سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن شرب المسكر لأجل الصفر ، : قال إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، فأما قوله تعالى { تتخذون منه سكرا ، ورزقا حسنا } ، فقد قيل : كان هذا قبل نزول آية التحريم ، وقيل : في الآية إضمار ، وهو مذكور على سبيل التوبيخ ، أي تتخذون منه سكرا ، وتدعون رزقا حسنا ؟ فإن طبخ من العنب أدنى طبخه ، أو ذهب منه بالطبخ أقل من الثلثين ، ثم اشتد ، وغلا ، وقذف بالزبد ، فهو حرام عندنا .

وقال حماد بن أبي سليمان رحمه الله إذا طبخ حتى نضج حل شربه ، وكان بشر المريسي يقول : إذا طبخ أدنى طبخه ، فلا بأس بشربه ، وكان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا : إذا طبخ حتى ذهب منه النصف ، فلا بأس بشربه ، ثم رجع ، فقال ما لم يذهب منه الثلثان بالطبخ لا يحل شربه إذا اشتد ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعن محمد رحمه الله أنه كره الثلث أيضا ، وعنه أنه توقف فيه ، وعنه أنه حرم ذلك كله إذا كان مسكرا ، وهو قول مالك والشافعي ، وطريق من توسع في هذه الأشربة ما ذكرنا أن قبل نزول التحريم كان الكل مباحا ، ثم نزل تحريم الخمر ، وما عرفنا هذه الحرمة إلا بالنص ، فبقي سائر الأشربة بعد نزول تحريم الخمر على ما كان عليه قبل نزوله ، ومن أثبت التحريم في الكل قال : نص التحريم بصفة الخمرية ، والخمر ما خامر العقل ، وكل ما يكون مسكرا ، فهو مخامر للعقل ، فيكون النص متناولا له ، ولكنا نقول الاسم للتي من ماء العنب حقيقة ، ولسائر الأشربة مجازا [ ص: 5 ] ومتى كانت الحقيقة مرادة باللفظ تنحى المجاز ، وهبك أن الخمر يسمى لمعنى مخامرة العقل ، فذلك لا يدل على أن كل ما يخامر العقل يسمى خمرا .

( ألا ترى ) أن الفرس الذي يكون أحد شقيه أبيض ، والآخر أسود يسمى أبلق ، ثم الثوب الذي يجتمع فيه لون السواد ، والبياض لا يسمى بهذا الاسم ، وكذلك النجم يسمى نجما لظهوره ، قالوا : نجم أي ظهر ، ثم لا يدل ذلك على أن كل ما يظهر يسمى نجما ، وإمامنا فيما ذكرناه من إباحة شرب المثلث عمر رضي الله عنه ، فقد روي عن جابر بن الحصين الأسدي رحمه الله أن عمار بن ياسر رضي الله عنه أتاه بكتاب عمر رضي الله عنه يأمره أن يتخذ الشراب المثلث لاستمراء الطعام ، وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول لا أدع شربها بعد ما رأيت عمر رضي الله عنه يشربها ، ويسقيها الناس ، وقد كان عمر رضي الله عنه هو الذي سأل تحريم الخمر ، فلا يظن به أنه كان يشرب ، أو يسقي الناس ما تناوله نص التحريم بوجه ، ولا يجوز أن يقال : إنما كان يشرب الحلو منه دون المسكر بدليل قوله قد ذهب بالطبخ نصيب الشيطان وربح جنونه ، وهذا ; لأنه إنما كان يشرب ذلك لاستمراء الطعام ، وإنما يحصل هذا المقصود بالمشتد منه دون الحلو .

وقد دل على هذه الجملة الآثار التي بدأ محمد رحمه الله بها الكتاب ، فمن ذلك حديث زياد قال : سقاني ابن عمر رضي الله عنه شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي ، فغدوت عليه من الغد ، فأخبرته بذلك ، فقال ما زدناك على عجوة وزبيب وابن عمر رضي الله عنه كان معروفا بالزهد ، والفقه بين الصحابة رضي الله عنهم ، فلا يظن به أنه كان يسقي غيره ما لا يشربه ، ولا أنه كان يشرب ما يتناوله نص التحريم ، وقد ذكرنا أن ما سقاه كان مشتدا حتى أثر فيه على وجه ما كان يهتدي إلى أهله ، وإنما قال هذا على طريق المبالغة في بيان التأثير فيه لا حقيقة السكر ، فإن ذلك لا يحل ، وفي قوله ما زدناك على عجوة وزبيب دليل على أنه لا بأس بشرب القليل من المطبوخ من ماء الزبيب ، والتمر ، وإن كان مشتدا ، وأنه لا بأس بشراب الخليطين بخلاف ما يقوله المتقشفة : إنه لا يحل شراب الخليطين .

وإن كان حلوا لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراب الخليطين } ، وتأويل ذلك عندنا أن ذلك كان في زمان الجدب كره للأغنياء الجمع بين النعمتين ، وفي الحديث زيادة ، فإنه قال ، وعن القران بين النعمتين ، وعن الجمع بين نعمتين ، والدليل على أنه لا بأس بذلك في غير زمان القحط حديث { عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا ، فلم يستمرئه ، فأمرني ، فألقيت فيه زبيبا } ، ولما جاز اتخاذ الشراب من كل واحد منهما بانفراده جاز الجمع بينهما بمنزلة ماء السكر ، والفانيذ [ ص: 6 ] ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن المسكر ، فقال الخمر ليس لها كنية ، وفيه دليل تحريم السكر ، فإن مراده من هذا الجواب : أن السكر في الحرمة كالخمر ، وإن كان اسمه غير اسم الخمر ، فكأنه أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام { الخمر من هاتين الشجرتين } .

قال : وسئل عن الفضيخ قال مراده بذلك الفضوح ، والفضيخ الشراب المتخذ من التمر بأن يفضخ التمر أي يشدخ ، ثم ينقع في الماء ليستخرج الماء حلاوته ، ثم يترك حتى يشتد ، وفيه دليل على أن التي من شراب التمر إذا اشتد ، فهو حرام سكرا كان ، أو فضيخا ، فإن السكر ما يسيل من التمر حين يكون رطبا ، وفي قوله بذلك الفضوح بيان أنه يفضح شاربه في الدنيا والآخرة لارتكابه ما هو محرم قال : وسئل عن النبيذ ، والزبيب يعتق شهرا ، أو عشرا قال الخمر أختها ، وفي رواية اجتنبها أي هي في الحرمة كالخمر ، فاجتنبها ، فظاهر هذا اللفظ دليل لما روي عن أبي يوسف قال لا يحل ماء الزبيب ما لم يطبخ حتى يذهب منه الثلثان ، فإن قوله الخمر اجتنبها إشارة إلى ذلك أي الزبيب إذا نقع في الماء عاد إلى ما كان عليه قبل أن يتزبب ، فكما أنه لا يحل قبل أن يتزبب بالطبخ ما لم يذهب منه الثلثان ، فكذلك الزبيب بخلاف ماء التمر ، ولكن في ظاهر الرواية نبيذ التمر وماء التمر سواء إذا طبخ أدنى طبخه يحل شربه مشتدا بعد ذلك ما لم يسكر منه ، ومراد ابن عمر رضي الله عنه تشبيهه النيء منه بالخمر في حكم الحرمة ، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن قال { انههم عن نبيذ السكر ، والمراد النيء من ماء التمر المشتد } ، وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عادة أهل اليمن في شرب ذلك ، فلهذا خصه بالأمر بالنهي عنه ، وسماه نبيذ الحمرة في لونه ، وعن حصين بن عبد الرحمن قال كان لأبي عبيدة كرم بزبالة كان يبيعه عنبا ، وإذا أدرك العصير باعه عصيرا ، وفي هذا دليل على أنه لا بأس ببيع العصير ، والعنب مطلقا ما دام حلوا .

التالي السابق


الخدمات العلمية