الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( ولو نذر أن يعتكف صائما ) أو يصوم ( أو يصوم معتكفا ) أو باعتكاف ( لزماه ) أي : الاعتكاف والصوم ؛ لأنه التزم كلا على حدته فلا يكفيه أن يعتكف وهو صائم عن رمضان أو نذر آخر مثلا ولا أن يصوم في يوم اعتكفه عن نذر آخر قبل أو بعد وفارقت هذه ما قبلها مع أن الحال وصف في المعنى بأنها وإن كانت كذلك لكنها تميزت عن مطلق الصفة جملة كانت كما مر أو مفردا بأنها قيد في عاملها ومبينة لهيئة صاحبها ومقتضى ذلك التزامها مع التزام عاملها فوجبا بخلاف الصفة فإنها لتخصيص موصوفها عن غيره كما هنا أو توضيحه والتخصيص يحصل مع كون اليوم موصوفا بوقوع صوم فيه وهذا لا يقتضي التزام ذلك الصوم لما تقرر أنه ذكر لمجرد التخصيص ووجه ذلك بتوجيهين آخرين في غاية البعد والخروج عن القواعد إلا أن يريد قائلهما ما تقرر : أحدهما أن قوله أعتكف يوما التزام صحيح وقوله أنا فيه صائم إخبار عن حالة يكون عليها في المستقبل والإخبار عن الحالة المستقبلة لا يصح تطلبها بالنذر لكونها حاصلة وتحصيل الحاصل محال وأيضا هو جملة وهي لا تكون معمولة للمصدر بخلاف صائما أو يصوم فإنه ليس إخبارا عن حالة مستقبلة فهو إنشاء محض تقديره أن أعتكف يوما وأن أصوم فيه وهذا يطرد في أن أصلي صائما أو خاشعا وأن أحج راكبا .

                                                                                                                              ثانيهما أن أنا فيه صائم حال من يوما وهو مفعول فتقديره [ ص: 470 ] يوما مصوما ومصوما إخبار ليس بصفة التزام وصائما حال من الفاعل والحال مقيدة لفعل الفاعل الذي هو الاعتكاف فكان معناه أن أنشئ اعتكافا وصوما ( تنبيه ) ما ذكر في وأنا صائم هو ما جرى عليه غير واحد ولا يشكل عليه ما مر في صائما وإن كان الحال مفادها واحد مفردة أو جملة لما بينته في شرح الإرشاد أن المفردة غير مستقلة فدلت على التزام إنشاء صوم بخلاف الجملة وأيضا فتلك قيد للاعتكاف فدلت على إنشاء صوم تقيده وهذه قيد لليوم الظرف لا للاعتكاف المظروف فيه وتقييد اليوم يصدق بإيقاع اعتكاف فيه وهو مصوم عن نحو رمضان ا هـ ويفرق أيضا بأن المصرح به في كلام أئمة النحو أن تبيين الهيئة المفيد لتقييد العامل وقع بالمفرد قصدا لا ضمنا بخلاف الوصف في رأيت رجلا راكبا فإنه إنما قصد به تقييد المنعوت لا تقييد العامل لكنه يستلزمه ؛ إذ يلزم من نعته الركوب بيان هيئة حال الرؤية له والحال الجملة الغالب فيها مشابهة الوصف بدليل اشتراط كونها خبرية قالوا ؛ لأنها نعت في المعنى ومن ثم قدر في الطلبية حالا ما يقدر فيها صفة من القول .

                                                                                                                              وإذ قد تقرر ذلك اتضح الفرق بين الحالين ؛ لأنه لا معنى لكون التقييد في المفردة هو المقصود إلا التزامه بخلافه في الجملة فإنه غير مقصود فكان غير ملتزم فأجزأ اعتكاف مقارن لصوم لم يلتزمه فتأمله ( والأصح وجوب جمعهما ) لما بينهما من المناسبة ؛ إذ كل كف وبه فارق أن أصلي صائما [ ص: 471 ] أو أعتكف مصليا فلو شرع في الاعتكاف صائما ثم أفطر لزمه استئنافهما ولو قال أن أعتكف يوم العيد صائما وجب اعتكافه ولغا قوله صائما وبحث الإسنوي أنه يكفي يوم الصوم اعتكافه لحظة فيه ولا يلزمه استغراقه بالاعتكاف لإمكان تبعيضه واللفظ صادق بالقليل والكثير بخلاف الصوم .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله وفارقت هذه ما قبلها إلخ ) قد ذكر فيما قبلها أيضا ما هو من قبيل الحال وهو وأنا فيه صائم وسيتكلم عليه في التنبيه الآتي وسنشير في هامشه إلى ما فيه .

                                                                                                                              ( قوله أو مبينة لهيئة صاحبها ومقتضى إلخ ) لا يخفى على العارف مخالفة هذا التعاند للمعنى وكلام النحاة وأن قوله ومقتضى ذلك إلخ مجرد دعوى لم ينتجها ما مهده لها ( قوله ومقتضى ذلك إلخ ) قد يمنع ومن أين ذلك [ ص: 470 ]

                                                                                                                              ( قوله فتلك قيد الاعتكاف إلخ ) في هذه التفرقة بحث ظاهر ؛ لأن الحال مطلقا قيد للعامل فهي قيد للاعتكاف مطلقا ؛ لأنه العامل فليتدبر ثم قضية هذا الفرق أن الحال الجملة في نحو على أن أعتكف وأنا صائم كالمفردة بخلاف الذي قبله فليراجع الحكم في هذه .

                                                                                                                              ( قوله فدلت إلخ ) فيه بحث ظاهر وما الدليل على أن غير المستقل يدل على الالتزام والمستقل لا يدل عليه لا يقال الدليل على ذلك أن غير المستقل لا يفيد فلا يحمل على الإخبار فيحمل على الإنشاء والالتزام بخلاف المستقل ؛ لأنا نقول هذا ممنوع ؛ إذ غير المستقل قد يكون في الإخبار كما في جاء زيد راكبا فإنه صحيح قطعا وهو لمحض الإخبار ( قوله : والغالب إلخ ) هذا لا يقتضي مشابهتها الوصف في عدم التقييد للعامل لا سيما مع ما نص عليه كلامهم أن الحال مطلقا لتقييده .

                                                                                                                              ( قوله إلا التزامه ) أي : التقييد وفيه أن التزام التقييد لا يتوقف على كون الصوم ملتزما بهذا النذر فتأمله وإذا انتبهت لما أشرنا لك إليه عجبت غاية العجب من دعواه مع ذلك اتضاح الفرق فعليك بالتأمل الصحيح واجتناب التلفيقات .

                                                                                                                              ( قوله فإنه غير مقصود ) إن أراد أن التقييد غير مقصود مطلقا فهو ممنوع وإلا لم تجب المقارنة ولو لصوم آخر بل ومناف لقولهم الحال ولو جملة قيد للعامل وإن أراد أنه غير مقصود بالذات بل ضمنا فممنوع أيضا ؛ إذ كلام النحاة ناص على خلافه والتمسك بأن الغالب مشابهتها الوصف إن سلم لا يفيد مع نصهم على أن الحال مطلقا للتقييد .

                                                                                                                              ( قوله في المتن والأصح وجوب جمعهما ) ولو نذر القران بين حج وعمرة فله تفريقهما وهو أفضل شرح م ر .

                                                                                                                              ( قوله أن أصلي ) يحتمل أن الوضوء كالصلاة [ ص: 471 ] بجامع أن كلا فعل ( قوله أو أعتكف مصليا ) أي : حيث لا يلزم جمعهما ( قوله أنه يكفي يوم الصوم اعتكاف لحظة ) ينبغي الاكتفاء في كل من أصوم معتكفا أو أعتكف صائما .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله وفارقت هذا ما قبلها إلخ ) قد ذكر فيما قبلها أيضا ما هو من قبيل الحال وهو وأنا فيه صائم وسيتكلم عليه في التنبيه الآتي وسنشير في هامشه إلى ما فيه سم .

                                                                                                                              ( قوله جملة كانت إلخ ) أي : الصفة ( قوله أو مبينة إلخ ) لا يخفى على العارف مخالفة هذا التعاند للمعنى وكلام النحاة ابن قاسم أقول وفي نسخة ومبينة بالواو بصري وكذا في النهاية والمغني بالواو ( قوله ومقتضى ذلك التزامها ) هذا مجرد دعوى لم ينتجها ما مهده لها سم ا هـ بصري ( قوله ووجه ذلك ) أي التفرقة بين هذه المسألة وما قبلها ( قوله والخروج إلخ ) عطف تفسير على البعد .

                                                                                                                              ( قوله أحدهما ) أي : التوجيهين ( قوله وقوله أنا فيه صائم ) أي : ونحوه .

                                                                                                                              ( قوله والإخبار عن الحالة المستقبلة إلخ ) يعني والحالة المستقبلة التي يخبر عنها لا يصح إلخ ( قوله وهي لا تكون معمولة إلخ ) فيه نظر .

                                                                                                                              ( قوله وهذا إلخ ) [ ص: 470 ] أي : ما ذكره في أن أعتكف صائما أو بصوم من لزوم مضمون العامل والمعمول معا ( قوله يوما مصوما ) أي مصوما فيه كردي ( قوله بصفة التزام ) الإضافة للبيان .

                                                                                                                              ( قوله ما ذكر إلخ ) أي : من عدم وجوب الصوم فيه بل الاعتكاف في حالة الصوم كردي .

                                                                                                                              ( قوله مفادها واحد ) الجملة خبر كان ولو نصب واحد لكان أحسن ( لما بينته إلخ ) متعلق بنفي الإشكال وعلة له ( قوله غير مستقلة إلخ ) أي : فتتبع الجملة المتضمنة لعاملها إنشاء وإخبارا وبه يندفع ما في سم مما نصه قوله فدلت على التزام إلخ فيه بحث ظاهر وما الدليل على أن غير المستقل يدل على الالتزام والمستقل لا يدل عليه لا يقال الدليل على ذلك أن غير المستقل لا يفيد فلا يحمل على الأخبار فيحمل على الإنشاء والالتزام بخلاف المستقل ؛ لأنا نقول هذا ممنوع ؛ إذ غير المستقل قد يكون في الإخبار كما في جاء زيد راكبا فإنه صحيح قطعا وهو لمحض الأخبار ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله فتلك قيد للاعتكاف إلخ ) في هذه التفرقة بحث ظاهر ؛ لأن الحال مطلقا قيد للعامل فهي قيد للاعتكاف مطلقا ؛ لأنه العامل فليتدبر ثم قضية هذا الفرق أن الحال الجملة في نحو على أن أعتكف وأنا صائم كالمفردة بخلاف الذي قبله فليراجع الحكم في هذه سم .

                                                                                                                              ( قوله صوم بقيده ) المناسب لما قبله اعتكاف بقيده ( قوله وهذه ) أي : الحال الجملة .

                                                                                                                              ( قوله انتهى ) أي ما في شرح الإرشاد ( قوله ويفرق أيضا ) أي بين الحال المفردة والحال الجملة .

                                                                                                                              ( قوله والحال الجملة إلخ ) لعله حال من الوصف في قوله بخلاف الوصف إلخ ويحتمل أنه معطوف على قوله المصرح به إلخ ( قوله الغالب إلخ ) هذا لا يقتضي مشابهتها الوصف في عدم التقييد للعامل لا سيما مع ما نص عليه كلامهم أن الحال مطلقا لتقييده سم .

                                                                                                                              ( قوله إلا التزامه ) أي : التقييد وفيه أن التزام التقييد لا يتوقف على كون الصوم ملتزما بهذا النذر فتأمله سم ( قوله فإنه غير مقصود ) إن أراد أن التقييد غير مقصود مطلقا فهو ممنوع وإلا لم تجب المقارنة ولو لصوم آخر بل ومناف لقولهم الحال ولو جملة قيد للعامل وإن أراد أنه غير مقصود بالذات بل ضمنا فممنوع أيضا ؛ إذ كلام النحاة ناص على خلافه والتمسك بأن الغالب مشابهتها الوصف إن سلم لا يفيد مع نصهم على أن الحال مطلقا للتقييد سم قول المتن ( والأصح وجوب جمعهما ) ولو نذر القران بين حج وعمرة فله تفريقهما وهو أفضل نهاية ومغني أي : ويلزمه دم ع ش قال الرشيدي شمل أي قوله م ر تفريقهما التمتع فانظر هل هو كذلك أو المراد خصوص الإفراد ا هـ والظاهر الأول .

                                                                                                                              ( قوله لما بينهما ) إلى قول المتن ولو نوى في النهاية والمغني إلا قوله أو غيره .

                                                                                                                              ( قوله لما بينهما إلخ ) عبارة المغني والنهاية ؛ لأنه قربة فلزم بالنذر والثاني لا ؛ لأنهما عبادتان مختلفتان فأشبه ما لو نذر أن يعتكف مصليا أو عكسه حيث لا يلزمه جمعهما وفرق الأول بأن الصوم يناسب الاعتكاف إلخ .

                                                                                                                              ( قوله وبه إلخ ) أي : التعليل .

                                                                                                                              ( قوله أن أصلي صائما إلخ ) يحتمل أن الوضوء كالصلاة بجامع أن [ ص: 471 ] كلا فعل سم .

                                                                                                                              ( قوله وبحث الإسنوي إلخ ) وهو الأوجه مغني ونهاية .

                                                                                                                              ( قوله أنه يكفي إلخ ) أي : فيما لو نذر أن يعتكف صائما إلخ ع ش عبارة سم ينبغي الاكتفاء بها في كل من أصوم معتكفا أو أعتكف صائما ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله اعتكاف لحظة إلخ ) أي : فلو مكث زيادة عليها هل تقع الزيادة واجبة أو مندوبة فيه نظر والأقرب الأول ويفرق بينه وبين ما لو مسح جميع الرأس أو طول الركوع فإن ما زاد على أقل مجزئ يقع مندوبا بأن ذاك خوطب فيه بقدر معلوم كمقدار الطمأنينة في الركوع فما زاد على مقدارها متميز يثاب عليه ثواب المندوب وما هنا خوطب فيه بالاعتكاف المطلق وهو كما يتحقق في اليسير يتحقق فيما زاد فليتأمل ع ش ولذا قالوا هناك واللفظ يصدق بالقليل والكثير وقوله بأن ذاك خوطب فيه إلخ أي خطاب إيجاب .

                                                                                                                              ( قوله ولا يلزمه استغراقه إلخ ) نعم يسن خروجا من خلاف من جعل اليوم شرطا لصحة الاعتكاف نهاية .




                                                                                                                              الخدمات العلمية