الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الفصل الثاني في سننه ، وهي أربعة : السنة الأولى ، الرملان قال في ( الجواهر ) : للرجال دون النساء في الأشواط الثلاثة الأول والمعية في الباقي ، وذلك في طواف القدوم ، وفي مشروعيته في الإفاضة للمراهق وفي القدوم في حق من أحرم من التنعيم وشبهه خلاف لما في أبي داود قال ابن عباس : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فقال المشركون : إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب . ولقوا منها شرا ، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة لا كلها إبقاء عليهم ، فلما رأوهم قالوا : هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى نهكتهم ؟ هؤلاء أجلد منا ) فكان السبب في الرملان في حقه عليه السلام وحق أصحابه رضي الله عنهم إظهار القوة للمشركين ، فهو ضرب من الجهاد ، وسببه في حقنا : تذكر النعمة التي أنعم الله تعالى بها علينا من العزة بعد الذلة ، والكثرة بعد القلة ، والقوة بعد المسكنة ، وفي ( الكتاب ) : إذا زوحم في الرمل ولم يجد مسلكا رمل طاقته ، ومن جهل أو نسي فترك الرمل في الطواف والسعي فهو خفيف . قال سند : يستحب الدنو من البيت ; لأن البيت هو المقصود ، فإن لم يجد فرجة يرمل فيها تأخر إلى حاشية الناس ; لأن الرملان أفضل من الدنو ، وروي عن مالك : أن تارك الرملان [ ص: 246 ] عليه دم ، وقال ابن عبد الحكم : يعيد طوافه ما لم يفت ، وقال أشهب : يعيد طوافه ما كان بمكة ، فإن فات أهدى ، وقال عبد الملك : لا يعيد وعليه دم ، لعموم قوله عليه السلام : ( من ترك نسكا فعليه دم ) والمشهور أنه هيئة للطواف فلا يجب بتركه شيء كالناسي في الأربعة الأخيرة ، وإذا قلنا بالإعادة ففعله في الأربعة الأخيرة لم يجزه كالقراءة في آخر ركعات الصلاة ، وفي ( الكتاب ) : الرملان في القضاء كالأداء ، وهو آكد على من أحرم بحج أو عمرة من المواقيت ، ممن أحرم من الجعرانة أو التنعيم ; لأن الأصل رملان الطواف الذي يسعى عقيبه ; لأنه عليه السلام إنما أظهره فيه ، ولأن هاجر لما تركها إبراهيم - عليه السلام - هناك مع إسماعيل عطش فصعدت الصفا تنظر هل بالموضع ماء فلم تر شيئا فنزلت وسعت في بطن المسيل ، حتى علت المروة ، فجعل ذلك نسكا إظهارا لشرفها وتفخيما لأمرها ، قال سند : ولا يختلف في طواف الوداع أنه لا رمل فيه ، ولا يرمل في طواف التطوع ، وفي ( الجواهر ) : إذا طيف بالمريض الذي لا يقدر على الطواف بنفسه ، أو بالصبي فالمنصوص : يرمل بالمريض ، وفي الصبي قولان أجراهما اللخمي في المريض ، وإذا طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه أجزأ عن الصبي ، ولو كان الطائف لم يطف عن نفسه لم ينتقل إليه . ولا يكفيهما طواف واحد بخلاف ما إذا حمل صبيين فطاف بهما طوافا واحدا كفاهما كراكبين على دابة .

                                                                                                                السنة الثانية : أن يطوف ماشيا لا راكبا ، وفي ( الكتاب ) : من طاف محمولا من عذر أجزأه وإلا أعاد إلا أن يرجع إلى بلده فعليه دم ، وإن طاف راكبا أعاد إن لم يفت ، وإن تطاول فعليه دم ، وفي ( الجواهر ) : المشي من سننه الأربع ، قال سند : الطواف عبادة بدنية تتعين مباشرتها ، والراكب أقرب من المحمول ; لأن حركة دابته منسوبة إليه ، فإن حمله من لا يطوف لنفسه جاز للعذر ، فإن كان [ ص: 247 ] يطوف لنفسه وطاف طوافا واحدا عنه وعن المحمول : فأربعة أقوال : يجزئ عنهما قاله ابن القاسم ، لا يجزئ عنهما ، حكاه ابن شعبان ، وعن الحامل فقط ، وعن المحمول فقط ، وإذا قلنا : يجزئ عنهما . فكذلك إذا ذهب العذر . وإذا قلنا : لا يجزئ عنهما فأولى إذا ذهب العذر ، وإذا قلنا عن المحمول وحده . وجب على الحامل الإعادة ، وتستحب للمحمول ، وإذا قلنا : يجزئ عن الحامل فقط أعاد المحمول فقط ، فإن كان الحامل لا يريد الطواف أمر المحمول بالإعادة ليأتي بسننه ، فإن رجع إلى بلده صح ; لأنه لو كان شرطا لما صح مع فقده كالطهارة مع الصلاة ، بل هو كسجود السهو مع الصلاة ، قالت أم سلمة : قلت له عليه السلام : إني أشتكي ، فقال : ( طوفي من وراء الناس وأنت راكبة ) وطاف عليه السلام راكبا لكن لعذر رؤية الناس له ليستفتوه ، فإن رجع إلى بلده فعليه دم جبرا للتحلل ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) : لا دم عليه ، ويجوز الركوب لمن لا يطيق المشي ، ولمالك في الكلفة وحدها قولان ، والمشهور : المنع ، وفي ( الجواهر ) : إن طاف محمولا أو راكبا من غير عذر : قال عبد الوهاب : يكره له ذلك .

                                                                                                                السنة الثالثة : الدعاء ، وفي ( الجواهر ) : ليس بمحدود ، وقال ابن حبيب : يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر : بسم الله والله أكبر إيمانا بك ، وتصديقا بكتابك ، ووفاء بعهدك ، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم . وفي أبي داود : ( كان يقول ما بين الركنين : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) واستحب ( ش ) : اللهم اجعله حجا مبرورا ، وذنبا مغفورا ، وسعيا مشكورا ، قال سند : ويستحب له إذا فرغ من طوافه ودعائه أن يقف بالملتزم للدعاء ، قال مالك : وذلك واسع ، والملتزم ما بين الركن والباب ، وقال مطرف : [ ص: 248 ] ونعني بالملتزم أنه يعتني ويلح بالدعاء عنده ، قال مالك : ويقال له المتعوذ أيضا ، ولا بأس أن يعتنق ويتعوذ به ، ولا يتعلق بأستار الكعبة ، ولا يحول ظهره للبيت إذا دعا ويستقبله ، وكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يدنو منه ولا يلتصق ، وفي أبي داود : ( لما خرج عليه السلام من الكعبة استلم هو وأصحابه البيت من الباب إلى الحطيم ، ووضعوا خدودهم على البيت ، وهو عليه السلام في وسطهم ) .

                                                                                                                والحطيم ما بين الباب والركن ، كان من ظلم دعا فيه على الظالم فيتحطم ، وفي أبي داود : ( كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه ويبسطهما ثم يقول : هكذا رأيته عليه السلام يفعل ) قال الزهري : ويخرج وبصره يتبع البيت حتى يكون آخر عهده به ، وفي ( الكتاب ) : يكره دخول البيت بالنعلين والخفين ، قال ابن القاسم : ولا أرى بذلك في الحجر بأسا ، ولم يكره مالك الطواف بالنعلين والخفين ، قال سند : يستحب دخول البيت لفعله عليه السلام ذلك ، وكان عمر بن عبد العزيز يقول ، إذا دخله : اللهم إنك وعدت الأمان داخل بيتك ، وأنت خير منزول به في بيته ، اللهم اجعل أماني ما تأمنني به أن تكفيني مؤنة الدنيا وكل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك . وأما الحجر فكره أشهب ذلك فيه ; لأنه من البيت الذي بناه إبراهيم - عليه السلام - ، وكان بابه بالأرض يدخله السيل فهدمته العرب ورفعت بابه وضمته من ناحية الحجر ستة أذرع ، قال مالك وبناء الكعبة هذا بناء ابن الزبير إلا الحائط الذي في الحجر فإن ابن الزبير كان أخرجه إلى الحجر فهدمه الحجاج ورده إلى بناء العرب وردم البيت حتى علا . السنة الرابعة : استلام الحجر ، وقد تقدمت فروعها في دخول مكة .

                                                                                                                [ ص: 249 ] فصل ، قال ابن القاسم في ( الكتاب ) : الطواف للغرباء أولى من الصلاة ; لأنهم يجدون الصلاة ببلدهم ، وقال عليه السلام : ( ينزل على البيت مائة وعشرون رحمة ، ستون للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين ) وجواب هذا الحديث إذا قيل : إن الصلاة أفضل : إن الطواف يشتمل على صلاة ركعتين فيكون الطواف مع الصلاة أفضل من الصلاة وحدها فلا منافاة . قال مالك في ( الموازية ) : الطواف للغرباء أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل ، والنفل أفضل من الجوار ، وكان عمر - رضي الله عنه - يأمر الناس بالقفول بعد الحج ; لأنه أبقى لهيبة البيت في النفوس ، وفي ( الجلاب ) : لا بأس أن يطوف المحرم من مكة قبل خروجه إلى منى تطوعا ، ولا بأس بالطواف بعد العصر أو الصبح ، ويؤخر الركوع حتى تطلع الشمس أو تغرب ، ولا بأس أن يركع بعد الغروب قبل صلاة المغرب أو بعدها قبل التنفل ، وتقديم المغرب على ركوع الطواف أولى ، ولا يطوف بعد العصر أو الصبح إلا أسبوعا واحدا ، ويكره جمع أسابيع وتأخير ركوعها حتى تركع جملة ، وليركع عقب كل أسبوع ركعتيه ، ومن أحدث في طوافه قاصدا أو غير قاصد انتقض طوافه وتطهر وابتدأه ، فإن أحدث بعده وقبل الركوع توضأ وسعى ، وإن أحدث في أثناء سعيه توضأ وبنى على سعيه ، وإن مضى محدثا أجزأه ، قال اللخمي : ويركع الطائف لطواف التطوع كالفرض ، فإن لم يركع حتى طال أو انتقض وضوءه استأنفه ، فإن شرع في أسبوع آخر قطعه وركع ، فإن أتمه أتى لكل أسبوع بركعتيه وأجزأه ; لأنه أمر اختلف فيه ، ومقتضى المذهب : أن أربعة أسابيع طول تمنع الإصلاح وتوجب عليه الاستئناف فيما تقدم ، وهذا الكلام من اللخمي وإطلاقه الإجزاء ووجوب الاستئناف يشعر بأن الشروع في طواف التطوع يوجب الإتمام كالصلاة والصوم ، وهو الظاهر من المذهب وكلام شيوخ المذهب ، وعلى هذا تكون المسائل التي يجب التطوع فيها بالشروع سبعة : الحج ، والعمرة ، [ ص: 250 ] والصلاة ، والصوم ، والاعتكاف ، والإتمام ، والطواف . ولا يوجد لهذه السبعة ثامن ، وقول المالكية : التطوع يجب تكميله ، محمول على هذه ، وقد نصوا على أن الشروع في تجديد الوضوء وغيره من قراءة القرآن وبناء المساجد والصدقات وغيرها من القربات لا يجب إتمامها بالشروع فيها فليعلم ذلك .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية