الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                وأما شرائط العقد فمنها عقل العاقد ، إذ لا صحة للإيجاب والقبول بدون العقل ، وأما البلوغ فهو شرط الانعقاد في جانب الإيجاب ، فلا ينعقد الإيجاب من الصبي وإن كان عاقلا ، حتى لو أسلم الصبي العاقل على يد رجل والاه لم يجز ، وإن أذن أبوه الكافر بذلك ; لأن هذا عقد وعقود الصبي العاقل إنما يقف على إذن وليه ، ولا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم ، فكان إذنه والعدم بمنزلة واحدة ، ولهذا لا تجوز سائر عقوده بإذنه كالبيع ونحوه ، كذا عقد الموالاة .

                                                                                                                                وأما من جانب [ ص: 171 ] القبول فهو شرط النفاذ حتى لو والى بالغ صبيا فقبل الصبي ينعقد موقوفا على إجازة أبيه أو وصيه ، فإن أجاز جاز ; لأن هذا نوع عقد فكان قبول الصبي فيه بمنزلة قبوله في سائر العقود ، فيجوز بإذن وليه ووصيه كسائر العقود ، وللأب والوصي أن يقبلا عنه كما في البيع ونحوه ، وكذلك لو والى رجل عبدا فقبل العبد وقف على إجازة المولى ، فإذا أجاز جاز ، إلا أن في العبد إذا أجاز المولى فالولاء من المولى ، وفي الصبي إذا أجاز الأب والوصي فيكون الولاء من الصبي ، وإنما كان كذلك ; لأن العبد لا يملك شيئا فوقع قبوله لمولاه .

                                                                                                                                ألا ترى أنه لو اشترى شيئا كان المشترى لمولاه ؟ فأما الصبي فهو من أهل الملك ، ألا ترى أنه لو اشترى شيئا كان المشترى له ؟ ولو والى رجل مكاتبا جاز وكان مولى لمولى المكاتب ; لأن قبول المكاتب صحيح ألا ترى أنه يملك الشراء فجاز قبوله ؟ إلا أن الولاء يكون للمولى ؟ لأن المكاتب ليس من أهل الولاء ، ألا ترى أنه لو كاتب عبدا فأدى وعتق كان الولاء للمولى ؟ بخلاف الصبي فإنه من أهل الولاء ، ألا ترى أن الأب لو كاتب عبد ابنه الصغير فأدى فعتق ثبت الولاء من الابن ؟ .

                                                                                                                                وأما الإسلام فليس بشرط لصحة هذا العقد ، فيصح فتجوز موالاة الذمي الذمي ، والذمي المسلم ، والمسلم الذمي ; لأن الموالاة بمنزلة الوصية بالمال ، ولو أوصى ذمي لذمي أو لمسلم ، أو مسلم لذمي بالمال جازت الوصية ، كذا الموالاة ، وكذا الذمي إذا والى ذميا ، ثم أسلم الأسفل جاز لما قلنا ، وكذا الذكورة ليست بشرط ، فتجوز موالاة الرجل امرأة ، والمرأة رجلا ، وكذا دار الإسلام ، حتى لو أسلم حربي فوالى مسلما في دار الإسلام أو في دار الحرب فهو مولاه ; لأن الموالاة عقد من العقود فلا يختلف بالذكورة والأنوثة وبدار الإسلام وبدار الحرب والله عز وجل أعلم .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية