الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ومنها أن لا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل الإجارة فإن كان فرضا أو واجبا عليه قبل الإجارة لم تصح الإجارة ; لأن من أتى بعمل يستحق عليه لا يستحق الأجرة كمن قضى دينا عليه ولهذا قلنا : إن الثواب على العبادات والقرب والطاعات أفضال من الله سبحانه غير مستحق عليه لأن وجوبها على العبد بحق العبودية لمولاه ; لأن خدمة المولى على العبد مستحقة ولحق الشكر للنعم السابقة .

                                                                                                                                لأن شكر النعمة واجب عقلا وشرعا ومن قضى حقا مستحقا عليه لغيره لا يستحق قبله الأجر كمن قضى دينا عليه في الشاهد وعلى هذا يخرج الاستئجار على الصوم والصلاة والحج أنه لا يصح ; لأنها من فروض الأعيان ولا يصح الاستئجار على تعليم العلم ; لأنه فرض عين ولا على تعليم القرآن عندنا وقال الشافعي : الإجارة على تعليم القرآن جائزة ; لأنه استئجار لعمل معلوم ببدل معلوم فيجوز .

                                                                                                                                ولنا أنه استئجار لعمل مفروض فلا يجوز كالاستئجار للصوم والصلاة ولأنه غير مقدور الاستيفاء في حق الأجير لتعلقه بالمتعلم فأشبه الاستئجار لحمل خشبة لا يقدر على حملها بنفسه وقد روي { أن أبي بن كعب رضي الله عنه أقرأ رجلا فأعطاه قوسا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار قال : لا فقال صلى الله عليه وسلم : فرده } ، ولا على الجهاد ; لأنه فرض عين عند عموم النفير وفرض كفاية في غير تلك الحال وإذا شهد الوقعة فتعين عليه فيقع عن نفسه .

                                                                                                                                وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : مثل من يغزو في أمتي ويأخذ الجعل عليه كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ عليه أجرا } ، ولا على الأذان والإقامة والإمامة ; لأنها واجبة وقد روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال { : آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا ولأن } الاستئجار على الأذان ، والإقامة ، والإمامة ، وتعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة وعن تعليم القرآن والعلم ; لأن ثقل الأجر يمنعهم عن ذلك وإلى هذا أشار الرب - جل شأنه - في قوله عز وجل : { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } فيؤدي إلى الرغبة عن هذه الطاعات وهذا لا يجوز وقال - تعالى { - : وما تسألهم عليه من أجر } أي على ما تبلغ إليهم أجرا وهو كان صلى الله عليه وسلم يبلغ بنفسه وبغيره بقوله صلى الله عليه وسلم { : ألا فليبلغ الشاهد الغائب } فكان كل معلم مبلغا فإن لم يجز له أخذ الأجر على ما يبلغ بنفسه لما قلنا ; فكذا لمن يبلغ بأمره ; لأن ذلك تبليغ منه معنى ويجوز الاستئجار على تعليم اللغة والأدب لأنه ليس بفرض ولا واجب وكذا يجوز الاستئجار على بناء المساجد ، والرباطات والقناطر لما قلنا ولا يجوز الاستئجار على غسل [ ص: 192 ] الميت ذكره في الفتاوى ; لأنه واجب ويجوز على حفر القبور .

                                                                                                                                وأما على حمل الجنازة فذكر في بعض الفتاوى أنه جائز على الإطلاق وفي بعضها أنه إن كان يوجد غيرهم يجوز وإن كان لا يوجد غيرهم لا يجوز ; لأن الحمل عليهم واجب وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر الرجل ابنه وهو حر بالغ ليخدمه أنه لا يجوز ; لأن خدمة الأب الحر واجبة على الابن الحر فإن كان الولد عبدا والأب حرا فاستأجر ابنه من مولاه جاز ; لأنه إذا كان عبدا لا يجب عليه خدمة الأب وكذلك إن كان الابن مكاتبا ; لأنه لا يلزمه خدمة أبيه فكان كالأجنبي ولو استأجر امرأته لتخدمه كل شهر بأجر مسمى لم يجز ; لأن خدمة البيت عليها فيما بينها وبين الله تعالى لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قسم الأعمال بين علي ، وفاطمة رضي الله عنهما فجعل ما كان داخل البيت على فاطمة رضي الله عنها وما كان خارج البيت على علي رضي الله عنه } فكان هذا استئجارا على عمل واجب فلم يجز ولأنها تنتفع بخدمة البيت والاستئجار على عمل ينتفع به الأجير غير جائز ، ولا يجوز استئجار الزوجة على رضاع ولده منها ; لأن ذلك استئجار على خدمة الولد وإنما اللبن يدخل فيه تبعا على ما ذكرنا فكان الاستئجار على أمر عليها فيما بينها وبين الله تعالى ولأن الزوجة مستحقة للنفقة على زوجها وأجرة الرضاع تجري مجرى النفقة فلا تستحق نفقتين على زوجها حتى لو كان للولد مال فاستأجرها لإرضاع ولدها منه من مال الولد جاز كذا روى ابن رستم عن محمد ; لأنه لا نفقة لها على الولد فلا يكون فيه استحقاق نفقتين ولو استأجر لولده من ذوات الرحم المحرم اللاتي لهن حضانته جاز ; لأنه ليس عليهن خدمة البيت ولا نفقة لهن على أب الولد ويجوز استئجار الزوجة لترضع ولده من غيرها لأنه ليس عليها خدمة ولد غيرها ولو استأجر على إرضاع ولده خادم أمه فخادمها بمنزلتها فما جاز فيها جاز في خادمها وما لم يجز فيها لم يجز في خادمها ; لأنها هي المستحقة لمنفعة خادمها فصار كنفقتها وكذا مدبرتها ; لأنها تملك منافعها فإن استأجر مكاتبتها جاز ; لأنها لا تملك منافع المكاتبة فكانت كالأجنبية ، ولو استأجرت المرأة زوجها ليخدمها في البيت بأجر مسمى فهو جائز ; لأن خدمة البيت غير واجبة على الزوج فكان هذا استئجارا على أمر غير واجب على الأجير وكذا لو استأجرته لرعي غنمها ; لأن رعي الغنم لا يجب على الزوج وإن شئت عبرت عن هذا الشرط فقلت : ومنها أن لا ينتفع الأجير بعمله فإن كان ينتفع به لم يجز ; لأنه حينئذ يكون عاملا لنفسه فلا يستحق الأجر ولهذا قلنا : إن الثواب على الطاعات من طريق الإفضال لا الاستحقاق ; لأن العبد فيما يعمله من القربات ، والطاعات عامل لنفسه قال سبحانه وتعالى { من عمل صالحا فلنفسه } ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره وعلى هذه العبارة أيضا يخرج الاستئجار على الطاعات فرضا كانت أو واجبة أو تطوعا ; لأن الثواب موعود للمطيع على الطاعة فينتفع الأجير بعمله فلا يستحق الأجر وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا ليطحن له قفيزا من حنطة بربع من دقيقها أو ليعصر له قفيزا من سمسم بجزء معلوم من دهنه أنه لا يجوز ; لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر فيكون عاملا لنفسه وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه { نهى عن قفيز الطحان } ولو دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف فالإجارة فاسدة ; لأن الحائك ينتفع بعمله وهو الحياكة وكذا هو في معنى قفيز الطحان فكان الاستئجار عليه منهيا وإذا حاكه فللحائك أجر مثل عمله لاستيفائه المنفعة بأجرة فاسدة وبعض مشايخنا ببلخ جوز هذه الإجارة وهو محمد بن سلمة ، ونصر بن يحيى .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية