الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإن الحياء من الإيمان

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1679 1629 - ( مالك عن ابن شهاب ) محمد بن مسلم الزهري ( عن سالم بن عبد الله ) التابعي الجليل أحد الفقهاء بالمدينة ( عن ) أبيه ( عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل ) زاد التنيسي : من الأنصار ، ولمسلم من طريق معمر : " مر برجل من الأنصار " ومر بمعنى اجتاز يعدى بعلى وبالباء ، وله من طريق ابن عيينة : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ولا خلف فلما مر به سمعه " ( وهو يعظ أخاه ) نسبا أو دينا ، قال الحافظ : لم أعرف اسم الواعظ ولا أخيه ( في الحياء ) قال الباجي : أي : يلومه على كثرته وأنه أضر به ومنعه من بلوغ حاجته انتهى .

                                                                                                          وهذا حسن موافق لما في طريق آخر .

                                                                                                          قال الحافظ : قوله يعظ ، أي : ينصح أو يخوف أو يذكر كذا شرحوه ، والأولى أن يشرح بما عند البخاري في الأدب المفرد من طريق عبد العزيز عن أبي سلمة عن ابن شهاب ، ولفظه : يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي ؛ حتى كأنه يقول : قد أضر بك الحياء .

                                                                                                          ويحتمل أن يكون ذكر له العتاب والوعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر ، لكن المخرج متحد ، فالظاهر أنه من تصرف الرواة بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر و " في " سببية ، فكأن الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه عن استيفاء حقه فعاتبه أخوه على ذلك .

                                                                                                          ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه ) أي اتركه على هذا الخلق السني ، ثم زاده ترغيبا في ذلك بقوله : ( فإن الحياء من الإيمان ) قال الباجي : أي : من شرائعه انتهى .

                                                                                                          و " من " للتبعيض لحديث الصحيحين : " الحياء شعبة من الإيمان " .

                                                                                                          وقال ابن العربي : قال علماؤنا إنما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جبلة لما يفيد من الكف عما لا يحسن ، فعبر عنه بفائدته على أحد قسمي المجاز .

                                                                                                          وقال الحافظ : وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جر له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق لا سيما إن كان المتروك له مستحقا .

                                                                                                          وقال ابن عيينة : معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب [ ص: 407 ] المعاصي كما يمنع الإيمان ، فسمي إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه ، وحاصله أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز ، والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان ; فلهذا وقع التأكيد ، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية نفسها مما يهتم به وإن لم يكن هناك منكر انتهى .

                                                                                                          قال القرطبي : وزجره صلى الله عليه وسلم للواعظ لعلمه أن الرجل لا يضره كثرة الحياء وإلا فقد تكون كثرته مذمومة ، وعبر بعضهم في تفسير الوعظ بالعتاب واللوم بأنه بعيد من حيث اللغة فإن معنى الوعظ الزجر وبه فسره التيمي هنا ، ومعنى العتب الوجد ، يقال : عتب عليه إذا وجد ، على أن الروايتين يدلان على معنيين جليلين ليس في واحد منهما حقا حتى يفسر أحدهما بالآخر ، غايته أنه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه ، والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ وفي الآخر بلفظ المعاتبة انتهى .

                                                                                                          والحافظ أبدى هذا احتمالا ثم استدرك عليه باتحاد المخرج ، وتفسير أحدهما بالآخر ليس للخفاء إنما هو للاتحاد ، فالروايات لا سيما المتحدة المخرج يفسر بعضها بعضا وإن سلم بعده لغة فلا معنى لهذا التعقيب سوى تسويد وجه الطرس بالتغبير في وجوه الحسان ، وفيه الحث على الحياء وأجله الاستحياء من الله ، قال بعض السلف : خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك .

                                                                                                          وقال بعضهم : رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فصارت دينا ، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه فيستحيي العاقل أن يستعين بها على معصيته .

                                                                                                          وأخرجه البخاري في الإيمان عن عبد الله بن يوسف عن مالك به وتابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عنده في الأدب من صحيحه وسفيان بن عيينة ومعمر عند مسلم ثلاثتهم عن ابن شهاب نحوه .




                                                                                                          الخدمات العلمية