الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      المسألة السابعة : إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله ، فهل يجب على المحرم جزاء ; لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو لا ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فذهب الإمام أحمد ، وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملا ، ويروى نحو ذلك عن علي ، وابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد ، وبكر المزني ، وإسحاق ، ويدل لهذا القول سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه : " هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي ؟ " .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل ; ويفهم من [ ص: 441 ] ذلك لزوم الجزاء ، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يمكن تضمين المباشر ، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصيد ; لأنه حلال ، والدال متسبب ، وهذا القول هو الأظهر ، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة ، ومنهم من اشترط خفاء الصيد بحيث لا يراه دون الدلالة ، كأبي حنيفة ، وقال الإمام الشافعي وأصحابه : لا شيء على الدال .

                                                                                                                                                                                                                                      وروي عن مالك نحوه ، قالوا : لأن الصيد يضمن بقتله ، وهو لم يقتله وإذا علم المحرم أن الحلال صاده من أجله فأكل منه ; فعليه الجزاء كاملا عند مالك ، كما صرح بذلك في " موطئه " ، وأما إذا دل المحرم محرما آخر على الصيد فقتله ، فقال بعض العلماء : عليهما جزاء واحد بينهما ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وبه قال عطاء ، وحماد بن أبي سليمان ، كما نقله عنهم ابن قدامة في " المغني " ، وقال بعض العلماء : على كل واحد منهما جزاء كامل ، وبه قال الشعبي ، وسعيد بن جبير ، والحارث العكلي ، وأصحاب الرأي ، كما نقله عنهم أيضا صاحب " المغني " .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : الجزاء كله على المحرم المباشر ، وليس على المحرم الدال شيء ، وهذا قول الشافعي ، ومالك ، وهو الجاري على قاعدة تقديم المباشر على المتسبب في الضمان ، والمباشر هنا يمكن تضمينه ; لأنه محرم ، وهذا هو الأظهر ، وعليه : فعلى الدال الاستغفار والتوبة ، وبهذا تعرف حكم ما لو دل محرم محرما ، ثم دل هذا الثاني محرما ثالثا ، وهكذا ، فقتله الأخير ، إذ لا يخفى من الكلام المتقدم أنهم على القول الأول شركاء في جزاء واحد .

                                                                                                                                                                                                                                      وعلى الثاني ، على كل واحد منهم جزاء ، وعلى الثالث ، لا شيء إلا على من باشر القتل .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية