الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              والمنع من هذه الحيل هو الصحيح قطعا ، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، [ ص: 203 ] ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك " رواه الأئمة الخمسة : أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، فنهى - صلى الله عليه وسلم - عن أن يجمع بين سلف وبيع ، فإذا جمع بين سلف وإجارة فهو جمع بين سلف وبيع أو مثله ، وكل تبرع يجمعه إلى البيع والإجارة ، مثل : الهبة والعارية ، والعرية ، والمحاباة في المساقاة والمزارعة والمبايعة ، وغير ذلك : هي مثل القرض .

              فجماع معنى الحديث : أن لا يجمع بين معاوضة وتبرع ; لأن ذلك التبرع إنما كان لأجل المعاوضة ، لا تبرعا مطلقا ، فيصير جزءا من العوض ، فإذا اتفقا على أنه ليس بعوض جمعا بين أمرين متنافيين ، فإن من أقرض رجلا ألف درهم ، وباعه سلعة تساوي خمسمائة بألف لم يرض [بالاقتراض] إلا بالثمن الزائد للسلعة ، والمشتري لم يرض ببذل ذلك الثمن الزائد إلا لأجل الألف التي اقترضها ، فلا هذا باع بيعا بألف ، ولا هذا أقرض قرضا محضا ، بل الحقيقة : أنه أعطاه الألف والسلعة بألفين فهي مسألة " مد عجوة " ، فإذا كان المقصود أخذ ألف بأكثر من ألف : حرم بلا تردد ، وإلا خرج على الخلاف المعروف ، وهكذا من أكرى الأرض التي تساوي مائة بألف وأعراه الشجر ، أو رضي من ثمرها بجزء من ألف جزء ، فمعلوم بالاضطرار : أنه إنما تبرع بالثمرة لأجل الألف التي أخذها ، وأن المستأجر إنما بذل الألف لأجل الثمرة ، فالثمرة هي جل [ ص: 204 ] المقصود المعقود عليه أو بعضه ، فليست الحيلة إلا ضربا من اللعب [والإفساد] ، وإلا فالمقصود المعقود عليه ظاهر .

              والذين لا يحتالون ، أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة [هم] بين أمرين : إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ، ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم ، كما رأينا عليه أكثر الناس ، وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر [والاضطرار] ما لا يعلمه إلا الله ، وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان ، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال الذي لا تأتي به شريعة قط ، فضلا عن شريعة قال الله فيها : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [الحج : 78] ، وقال تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة : 185] ، وقال تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) [النساء : 28] ، وفي الصحيحين : " إنما بعثتم ميسرين " ، " ويسروا ولا تعسروا " ، " ليعلم اليهود أن في ديننا سعة " ، فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج ، وهو منتف شرعا .

              والغرض من هذا : أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط ، لما فيه من الفساد الذي لا يطاق ، فعلم أنه ليس بحرام [ ص: 205 ] بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) [ البقرة : 173] ، وقوله : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) [المائدة : 3] ، فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ، ولم يكن سببه معصية : هي ترك واجب ، أو فعل محرم ، لم يحرم عليهم ; لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد ، وإن كان سببه معصية ، كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة ، والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون ، فإنه يؤمر بالتوبة ، ويباح له ما يزيل ضرورته ، فتباح له الميتة ، ويقضى عنه دينه من الزكاة ، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال ، وحاله كحال الذين قال الله فيهم : ( إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) [ الأعراف : ] ، وقوله : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) [النساء : 160] وهذه قاعدة عظيمة ربما ننبه إن شاء الله عليها .

              وهذا القول المأثور عن السلف الذي اختاره ابن عقيل : هو قياس أصول أحمد وبعض أصول الشافعي ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، لوجوه متعددة بعد الأدلة الدالة على نفي التحريم شرعا وعقلا ، فإن دلالة هذه إنما تتم بعد الجواب عما استدل به أصحاب القول الأول .

              الوجه الأول : ما ذكرناه من فعل عمر في قصة أسيد بن الحضير ، فإنه قبل الأرض والشجر الذي فيها بالمال الذي كان للغرماء ، وهذا عين مسألتنا ، ولا يحمل ذلك على أن النخل والشجر كان قليلا ، فإنه من المعلوم أن حيطان أهل المدينة كان الغالب عليها [ ص: 206 ] الشجر ، وأسيد بن الحضير كان من سادات الأنصار ومياسيرهم ، فبعيد أن يكون الغالب على حائطه الأرض البيضاء ، ثم هذه القصة لا بد أن تشتهر ، ولم يبلغنا أن أحدا أنكرها فيكون إجماعا ، وكذلك ما ضربه من الخراج على السواد ، فإن تسميته خراجا يدل على أنه عوض عما ينتفعون به من منفعة الأرض والشجر ، كما يسمي الناس اليوم كراء الأرض لمن يغرسها خراجا ، إذا كان على كل شجرة شيء معلوم ، ومنه قوله : ( أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير ) [المؤمنون : 72] ومنه خراج العبد ، فإنه عبارة عن ضريبة يخرجها لسيده من ماله ، فمن اعتقد أنه أجرة وجب عليه أن يعتقد جواز مثل هذا ، لأنه ثابت بإجماع الصحابة . ومن اعتقد أنه ثمن أو عوض مستقل بنفسه فمعلوم أنه لا يشبه غيره ، وإنما جوزه الصحابة - ولا نظير له - لأجل الحاجة الداعية إليه ، والحاجة إلى ذلك موجودة في كل أرض فيها شجر كالأرض المفتتحة سواء .

              فإنه إن قيل : يمكن المساقاة أو المزارعة ، قيل : وقد كان يمكن عمر المساقاة والمزارعة ، كما فعل في أثناء الدولة العباسية ، إما في خلافة المنصور وإما بعده ، فإنهم نقلوا أرض السواد من الخراج إلى المقاسمة ، التي هي المساقاة والمزارعة .

              وإن قيل : إنه يمكن جعل الكراء بإزاء الأرض والتبرع بمنفعة الشجر أو المحاباة فيها ، قيل : قد كان يمكن عمر ذلك ، فالقدر المشترك بينهما ظاهر .

              وأيضا : فإنا نعلم قطعا أن المسلمين ما زالت لهم أرضون فيها شجر [تكرى] بل هذا غالب على أموال أهل الأمصار . ونعلم أن [ ص: 207 ] السلف لم يكونوا كلهم يعمرون أرضهم بأنفسهم ولا غالبهم ، ونعلم أن المساقاة والمزارعة لا تتيسر في كل وقت ; لأنها تفتقر إلى عامل أمين ، وما كل أحد يرضى بالمساقاة ، ولا كل من أخذ الأرض يرضى بالمشاركة ، فلا بد أن يكونوا قد كانوا يكرون الأرض السوداء ذات الشجر ، ومعلوم أن الاحتيال بالتبرع أمر [بارد] لم يكن السلف من الصحابة والتابعين يفعلونه ، فلم يبق إلا أنهم كانوا يفعلون كما فعل عمر بمال أسيد بن الحضير ، وكما يفعله غالب المسلمين من تلك الأزمنة وإلى اليوم .

              فإذا لم ينقل عن السلف أنهم حرموا هذه الإجارة ، ولا أنهم أمروا بحيلة التبرع - مع قيام المقتضى لفعل هذه المعاملة - علم قطعا أن المسلمين كانوا يفعلونها من غير نكير من الصحابة والتابعين ، فيكون فعلها كان إجماعا منهم .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية