الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              أما الكتاب ، فقوله سبحانه : ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم [ التحريم ] .

              فوجه الدلالة : أن الله قال : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ، وهذا نص عام في كل يمين يحلف بها المسلمون أن الله قد فرض لهم تحلتها . وقد ذكره سبحانه بصيغة الخطاب للأمة بعد تقدم الخطاب بصيغة الإفراد للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع علمه سبحانه بأن الأمة يحلفون بأيمان شتى . فلو فرض يمين واحدة ليس لها تحلة ، لكان مخالفا للآية ، كيف وهذا عام ، لا يخص منه صورة واحدة ، لا بنص ولا بإجماع ، بل هو عام عموما معنويا مع عمومه اللفظي ، فإن اليمين معقودة [ توجب ] منع المكلف من الفعل . فشرع التحلة لهذا العقد مناسب لما فيه من التخفيف والتوسعة ، وهذا موجود في اليمين بالعتق [ ص: 330 ] والطلاق أكثر منه في غيرهما من أيمان نذر اللجاج والغضب . فإن الرجل إذا حلف بالطلاق ليقتلن النفس أو ليقطعن رحمه أو ليمنعن الواجب عليه - من أداء أمانة ونحوها - فإنه يجعل الطلاق عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس ، أكثر مما يجعل الله عرضة ليمينه ، ثم إن وفى بيمينه كان عليه من ضرر الدنيا والآخرة ما قد أجمع المسلمون على تحريم الدخول فيه ، وإن طلق امرأته ففي الطلاق أيضا من ضرر الدنيا والدين ما لا خفاء به .

              أما الدين : فإنه مكروه باتفاق الأمة مع استقامة حال الزوجين : إما كراهة تنزيه أو كراهة تحريم ، فكيف إذا كانا في غاية الاتصال وبينهما من الأولاد والعشرة ما يجعل في طلاقهما في أمر الدين ضررا عظيما ، وكذلك ضرر الدنيا ، كما يشهد به الواقع ، بحيث لو خير أحدهما بين أن يخرج من ماله ووطنه وبين الطلاق ، لاختار فراق ماله ووطنه على الطلاق ، وقد قرن الله فراق [ الوطن ] بقتل النفس . ولهذا قال أحمد في إحدى الروايتين متابعة لعطاء : إنها إذا أحرمت بالحج فحلف عليها زوجها بالطلاق أنها لا تحج ، صارت محصرة وجاز لها التحلل ، لما عليها في ذلك من الضرر الزائد على ضرر الإحصار بالعدو أو القريب منه .

              وهذا ظاهر فيما إذا قال : إن فعلت كذا فعلي أن أطلقك أو أعتق عبيدي ، فإن هذا من نذر اللجاج والغضب بالاتفاق ، كما لو قال : والله لأطلقنك ، أو لأعتقن عبيدي ، وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه : هو الذي اعتمده المفرقون ، وسنتكلم عليه إن شاء الله .

              وأيضا فإن الله تعالى قال : ( ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) [ ص: 331 ] ( تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم ) [ التحريم ] ، وهي تقتضي أنه ما من تحريم لما أحل الله إلا والله غفور لفاعله رحيم به ، وأنه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم ؛ لأن [ قول " لم " ] استفهام في معنى النفي والإنكار . والتقدير : لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك والله غفور رحيم ، فلو كان الحالف بالنذر والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئا لا رخصة له ، لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال وانتفاء موجب المغفرة والرحمة عن هذا الفاعل .

              وأيضا فقوله سبحانه : ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون [ المائدة ] ، والحجة فيها كالحجة في الأولى وأقوى ، فإنه قال : ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ، وهذا عام يشمل تحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها ، ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته ، أي : فكفارة تعقيدكم أو عقدكم الأيمان ، وهذا عام ، ثم قال : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ، وهذا عام كعموم قوله : واحفظوا أيمانكم .

              ومما يوضح عمومه : أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم : من حلف فقال : إن شاء الله ، فإن شاء فعل وإن شاء [ ص: 332 ] ترك ، فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف بالله . وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما [ الحلف ] بالطلاق موافقة لابن عباس ؛ لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف ، وأما الحلف المنعقد : ما تضمن محلوفا به ومحلوفا عليه : إما بصيغة القسم ، وإما بصيغة الجزاء ، أو ما كان في معنى ذلك مما سنذكره إن شاء الله .

              وهذه الدلالة بينة على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في مسألة نذر اللجاج والغضب ، فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذه الآية ، وجعلوا قوله تعالى : تحلة أيمانكم ، و كفارة أيمانكم عاما في اليمين بالله واليمين بالنذر . ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء .

              فإن قيل : المراد بالآية اليمين بالله فقط ، فإن هذا هو المفهوم من مطلق اليمين ، ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام أو الإضافة - في قوله : عقدتم الأيمان ، و تحلة أيمانكم - منصرفا إلى اليمين المعهود عندهم ، وهي اليمين بالله . وحينئذ فلا يعم اللفظ إلا المعروف عندهم ، والحلف بالطلاق ونحوه لم يكن معروفا عندهم . ولو كان اللفظ عاما ، فقد علمنا أنه لم يدخل فيه اليمين التي ليست مشروعة ، كاليمين بالمخلوقات ، فلا يدخل فيه الحلف بالطلاق ونحوه ؛ لأنه ليس من اليمين المشروعة ، لقوله - صلى الله عليه وسلم : من كان حالفا فليحلف بالله أو فليصمت .

              [ ص: 333 ] وهنا سؤال ممن يقول : كل يمين غير مشروعة فلا كفارة لها ولا حنث .

              فيقال : لفظ اليمين يشمل هذا كله ، بدليل استعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والعلماء اسم اليمين في هذا كله ، كقوله - صلى الله عليه وسلم : النذر حلفة ، وقول الصحابة لمن حلف بالهدي والعتق : " كفر يمينك " ، وكذلك فهمته الصحابة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سنذكره ، ولإدخال العلماء لذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم : من حلف فقال : إن شاء الله ، فإن شاء فعل وإن شاء ترك .

              ويدل على عمومه في الآية أنه سبحانه قال : لم تحرم ما أحل الله لك ، ثم قال : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ، فاقتضى هذا : أن نفس تحريم الحلال يمين ، كما استدل به ابن عباس وغيره . وسبب نزول الآية : إما تحريمه العسل ، وإما تحريمه مارية القبطية ، وعلى كل تقدير : فتحريم الحلال يمين على ظاهر الآية ، وليس يمينا بالله ؛ ولهذا أفتى جمهور الصحابة - كعمر وعثمان ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهم - : أن تحريم الحلال يمين مكفرة : إما كفارة كبرى كالظهار ، وإما كفارة صغرى كاليمين بالله . وما زال السلف يسمون الظهار ونحوه يمينا .

              وأيضا فإن قوله تعالى : لم تحرم ما أحل الله لك إما أن يراد به : لم تحرمه بلفظ الحرام ، وإما لم تحرمه باليمين بالله ونحوها ، وإما لم تحرمه مطلقا ؟ فإن أريد الأول أو الثالث : فقد ثبت [ أن ] تحريمه بغير الحلف بالله يمين [ فيعم ] . وإن أريد به تحريمه بالحلف بالله ، [ ص: 334 ] فقد سمى الله الحلف بالله تحريما للحلال . ومعلوم أن اليمين بالله لم توجب الحرمة الشرعية ، لكن لما أوجبت امتناع الحالف من الفعل ، فقد حرمت عليه الفعل تحريما شرطيا لا شرعيا . فكل يمين توجب امتناعه من الفعل ، فقد حرمت عليه الفعل ، فيدخل في عموم قوله : لم تحرم ما أحل الله لك .

              وحينئذ فقوله : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ، لا بد أن يعم كل يمين حرمت الحلال ؛ لأن هذا حكم ذلك الفعل . فلا بد أن يطابق جميع صوره ، لأن تحريم الحلال هو سبب قوله : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ، وسبب الجواب إذا كان عاما كان الجواب عاما ، لئلا يكون جوابا عن البعض دون البعض ، مع قيام السبب المقتضي للتعميم . وهكذا التقرير في قوله : ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم إلى قوله : ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم .

              وأيضا : فإن الصحابة فهمت العموم ، وكذلك العلماء عامتهم حملوا الآية على اليمين بالله وغيرها .

              وأيضا فنقول : سلمنا أن اليمين المذكورة في الآية المراد بها اليمين بالله ، وأن ما سوى اليمين بالله لا يلزم بها حكم . فمعلوم أن الحلف بصفات الله سبحانه كالحلف به ، كما لو قال : وعزة الله ، أو لعمر الله ، أو والقرآن العظيم . فإنه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصفات ونحوها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ، ولأن الحلف بصفاته كالاستعاذة بها . وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلا بالله وصفاته في مثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بوجهك ، و أعوذ بكلمات الله [ ص: 335 ] التامات ، و أعوذ برضاك من سخطك ، ونحو ذلك . وهذا أمر مقرر عند العلماء .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية