الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              وإذا كان كذلك : فالحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله ، فإنه إذا قال : إن فعلت كذا فعلي الحج ، فقد حلف بإيجاب الحج عليه ، وإيجاب الحج حكم من أحكام الله ، وهو من صفاته ، وكذلك لو قال : فعلي تحرير رقبة . وإذا قال : فامرأتي طالق ، وعبدي حر ، فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه ، والتحريم من صفات الله ، كما أن الإيجاب من صفات الله . وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله : ولا تتخذوا آيات الله هزوا [ البقرة : 231] فجعل حدوده في النكاح والطلاق والخلع من آياته ، لكنه إذا حلف بالإيجاب والتحريم فقد عقد اليمين لله ، كما يعقد النذر لله ، فإن قوله : علي الحج والصوم عقد لله ، ولكن إذا كان حالفا به فهو لم يقصد العقد لله ، بل قصد الحلف به . فإذا حنث ولم يف به فقد ترك ما عقده لله ، كما أنه إذا فعل المحلوف فقد ترك ما عقده بالله .

              يوضح ذلك : أنه إذا حلف بالله أو بغير الله مما يعظمه [ ص: 336 ] بالحلف ، فإنما حلف به ليعقد به المحلوف عليه ويربطه ؛ لأنه لعظمته في قلبه إذا ربط به شيئا لم يحله . فإذا حل ما ربطه به فقد [ انتقصت ] عظمته في قلبه ، وقطع السبب الذي بينه وبينه كما قال بعضهم : اليمين : العقد على نفسه لحق من له حق . ولهذا إذا كانت اليمين غموسا كانت من الكبائر الموجبة للنار ، كما قال سبحانه : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ آل عمران ] ، وذكرها - صلى الله عليه وسلم - في عد الكبائر فيما روى الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وبهت مؤمن ، والفرار يوم الزحف ، ويمين صابرة يقطع بها مالا بغير حق " .

              وذلك : لأنه إذا تعمد أن يعقد بالله ما ليس منعقدا به ، فقد نقص الصلة التي بينه وبين ربه ، بمنزلة من أخبر عن الله بما هو منزه عنه ، أو تبرأ من الله ، بخلاف ما إذا حلف على المستقبل فإنه عقد بالله فعلا قاصدا لعقده على وجه التعظيم لله ، لكن أباح الله له حل هذا العقد الذي عقده به ، كما يبيح له ترك بعض الواجبات لحاجة ، أو يزيل عنه وجوبها . ولهذا قال أكثر أهل العلم : إذا قال : هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا ، فهي يمين ، بمنزلة قوله : والله لأفعلن ، لأنه ربط عدم الفعل بكفره الذي هو براءته من الله ، فيكون [ ص: 337 ] قد ربط الفعل بإيمانه بالله . هذا هو حقيقة الحلف بالله . فربط الفعل بأحكام الله - من الإيجاب أو التحريم - أدنى حالا من ربطه بالله .

              يوضح ذلك : أنه إذا عقد اليمين بالله فهو عقد لها بإيمانه بالله ، وهو ما في قلبه من إجلال الله وإكرامه ، الذي هو [ حق ] الله ومثله الأعلى في السماوات والأرض ، كما أنه إذا سبح الله وذكره فهو مسبح له وذاكر له بقدر ما في قلبه من معرفته وعبادته . ولذلك جاء التسبيح تارة لاسم الله ، كما في قوله : سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى ] ، كما أن الذكر يكون تارة لاسم الله ، كما في قوله : واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا [ الإنسان : 25 ] ، وكذلك الذكر مع التسبيح في قوله : ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا [ الأحزاب ] ، فحيث عظم العبد ربه بتسبيح اسمه ، أو الحلف به ، أو الاستعاذة به ، فهو مسبح له بتوسط المثل الأعلى الذي في قلبه ، من معرفته وعبادته وعظمته ومحبته ، علما وقصدا وإجلالا وإكراما . وحكم الإيمان والكفر إنما يعود إلى ما كسبه قلبه من ذلك ، كما قال سبحانه : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم [ البقرة : 22 ] ، وكما قال في موضع آخر : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [ المائدة : 89 ] .

              فلو اعتبر الشارع ما في لفظ القسم من انعقاده بالإيمان وارتباطه به دون قصد الحلف لكان موجبه أنه إذا حنث يتغير إيمانه بزوال حقيقته ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ، كما أنه إذا حلف على ذلك يمينا فاجرة كانت من الكبائر ، [ إذ قد [ ص: 338 ] اشترى بها ثمنا قليلا ] ، فلا خلاق له في الآخرة ولا يكلمه الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم .

              لكن الشارع علم أن الحالف بها ليفعلن أو لا يفعل ليس غرضه الاستخفاف بحرمة اسم الله والتعلق به كغرض الحالف في اليمين الغموس . فشرع له الكفارة لأنه حل هذه العقدة وأسقطها عن لغو اليمين ، لأنه لم يعقد قلبه شيئا من [ الجناية ] على إيمانه ، فلا حاجة إلى الكفارة .

              وإذا ظهر أن موجب اليمين : انعقاد الفعل بهذا [ اليمين ] الذي هو إيمانه بالله ، فإذا عدم الفعل كان [ مقتضاه ] عدم إيمانه ، هذا لولا ما شرع الله من الكفارة ، كما أن مقتضى قوله : إن فعلت كذا وجب علي كذا ، أنه عند الحلف يجب ذلك الفعل لولا ما شرع من الكفارة .

              يوضح ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من حلف بملة غير الإسلام [ كاذبا ] فهو كما قال " أخرجاه في الصحيحين . فجعل اليمين الغموس في قوله : " هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا " ، كالغموس في قوله : " والله ما فعلت كذا " ، إذ هو في كلا الأمرين قد قطع عهده [ ص: 339 ] من الله حيث علق الإيمان بأمر معدوم والكفر بأمر موجود ، بخلاف اليمين على المستقبل .

              وطرد هذا المعنى : أن اليمين الغموس إذا كانت في النذر أو الطلاق أو العتاق : وقع المعلق به ولم ترفعه الكفارة ، كما يقع الكفر بذلك في أحد قولي العلماء . وبهذا يحصل الجواب على قولهم : المراد به اليمين المشروعة .

              وأيضا فقوله : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم [ البقرة ] ، فإن السلف مجمعون - أو كالمجمعين - على أن معناها : لا تجعلوا الله مانعا لكم إذا حلفتم به من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، بأن يحلف الرجل أن لا يفعل معروفا مستحبا أو واجبا ، أو ليفعلن مكروها حراما أو نحوه ، فإذا قيل له : افعل ذلك ، أو لا تفعل هذا ، قال : قد حلفت بالله ، فيجعل الله عرضة ليمينه .

              فإذا كان الله قد نهى عباده أن يجعلوا نفسه مانعا لهم بالحلف به من البر والتقوى ، فالحلف بهذه الأيمان - إن كان داخلا في عموم الحلف - وجب أن لا يكون مانعا ، وإن لم يكن داخلا فهو أولى أن لا يكون مانعا ، من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى . فإنه إذا نهى عن أن يكون هو سبحانه عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ، فغيره أولى أن نكون منهيين عن جعله عرضة لأيماننا . وإذا ثبت أننا منهيون عن أن نجعل شيئا من الأشياء عرضة لأيماننا أن نبر ونتقي ونصلح بين الناس ، فمعلوم أن ذلك إنما هو لما في البر والتقوى والإصلاح مما يحبه الله ويأمر به .

              [ ص: 340 ] فإذا حلف الرجل بالنذر أو بالطلاق أو بالعتاق أن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح ، فهو بين أمرين : إن وفى ذلك فقد جعل هذه الأشياء عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ويصلح بين الناس . وإن حنث فيها وقع عليه الطلاق ووجب عليه فعل المنذور ، فقد يكون خروج أهله وماله عنه أبعد عن البر والتقوى من الأمر المحلوف عليه ، فإن أقام على يمينه ترك البر والتقوى ، وإن خرج عن أهله وماله ترك البر والتقوى ، فصارت عرضة ليمينه أن يبر ويتقي ، فلا يخرج عن ذلك إلا بالكفارة ، وهذا المعنى هو الذي دلت عليه السنة .

              ففي الصحيحين من حديث همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه " ، ورواه البخاري أيضا من حديث عكرمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من استلج في أهله [ بيمين ] فهو أعظم إثما " . فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اللجاج باليمين في أهل الحالف أعظم إثما من التكفير . واللجاج : هو التمادي في الخصومة ، ومنه قيل : رجل لجوج : إذا تمادى في المخاصمة ، ولهذا تسمي العلماء هذا : نذر اللجاج والغضب ، فإنه يلج حتى يعقده ، ثم يلج في الامتناع من الحنث ، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اللجاج باليمين أعظم إثما من الكفارة ، وهذا عام في جميع الأيمان .

              وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الرحمن بن سمرة : " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها ، فائت الذي هو خير وكفر عن [ ص: 341 ] يمينك " ، أخرجاه في الصحيحين . وفي رواية في الصحيحين : " فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير " . وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " ، وفي رواية : " فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " . وهذا نكرة في سياق الشرط فيعم كل حلف على يمين كائنا ما كان الحلف ، فإذا رأى غير اليمين المحلوف عليها خيرا منها ، وهو أن يكون اليمين المحلوف عليها تركا لخير فيرى فعله خيرا من تركه ، أو يكون فعلا لشر فيرى تركه خيرا من فعله ، فقد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه .

              وقوله هنا : " على يمين " هو - والله أعلم - من باب تسمية المفعول باسم المصدر ، سمى الأمر المحلوف عليه يمينا ، كما سمى المخلوق خلقا ، والمضروب ضربا ، والمبيع بيعا ، ونحو ذلك .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية