الوجه الأربعون : أن اللفظ لا بد أن يقترن به ما يدل على المراد به ،
nindex.php?page=treesubj&link=22156والقرائن ضربان : لفظية ومعنوية ، واللفظية نوعان : متصلة ومنفصلة ، والمتصلة ضربان : مستقلة وغير مستقلة ، والمعنوية إما عقلية وإما عرفية ، والعرفية إما عامة وإما خاصة ، وتارة يكون عرف المتكلم وعادته ، وتارة عرف المخاطب وعادته ، فما الذي تعتبرون في المجاز من تلك القرائن ، هل هو الجميع ؟ فكل ما اقترن به شيء من ذلك كان مجازا ، فجميع لغات بني آدم مجاز ، أو اللفظية دون المعنوية أو العكس ، أو بعض اللفظ دون بعض ، فلا يذكرون نوعا من ذلك إلا طولبوا بالفرق بينه وبين بقية الأنواع لغة أو عقلا أو شرعا ، وكانوا في ذلك متحكمين مفرقين بين ما لا يسوغ التفريق بينه .
الوجه الحادي والأربعون : أن جمهور الأمة على أن
nindex.php?page=treesubj&link=21140العام المخصوص حقيقة ، سواء خص بمتصل أو منفصل ، بعقلي أو لفظي كما تقدم ، وأنه حجة بإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وإنما حدث الخلاف في ذلك بعد انقراض العصور المفضلة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها خير القرون ، وقالوا : إنه يصير بعد التخصيص مجازا ، وقال بعضهم يبقى مجملا لا يحتج به ، فقال لهم الجمهور : هو بعد التخصيص مستعمل فيما وضع له ، قالوا : فإنه موضوع للعموم بمجرده وللخصوص بقرينة متصلة به مثل الاستثناء ، فإن قوله : اقتلوا المشركين إلا أهل الكتاب ليس مجازا ، وهو مستعمل فيما وضع له ، والقرينة المنفصلة في معنى القرينة المتصلة ، والخاص مع العام بمنزلة المستثنى مع المستثنى منه ، ولذلك يقول القائل : خرج زيد ، فيكون إخبارا عن خروجه ، ويضم إليه " ما " فيكون إخبارا عن ضده ، وتضيف إليه الهمزة فيكون استفهاما ، وكل ذلك حقيقة ، فكذلك في مسألتنا .
هذه ألفاظ
nindex.php?page=showalam&ids=11872القاضي أبي الطيب ، فتأمل كيف هي صريحة في نفي المجاز ، وأن اللفظ موضوع لمطلق المعنى وبالقرينة لغيره ، وأن ذلك كله حقيقة ، وهذا هو التحقيق
[ ص: 325 ] دون التحكم والتناقض ، ولهذا لما فهم القائلون بأنه يصير مجازا بعد التحقيق عن ذلك ألزموا الجمهور بنفي المجاز ، فقالوا : هذا يودي إلى أن يكون في اللغة مجاز ، قالوا : لأن قولنا ( بحر ) موضوع للماء الكثير بمجرده ، والعالم والجواد بقرينة ، والأسد موضوع للحيوان المفترس بمجرده ، وللرجل الشجاع بقرينة ، وإذا كان كذلك ارتفع المجاز في اللغة ، وهذا سؤال صحيح ، ولهذا لم يجبهم عنه منازعون إلا بأنه مشترك الإلزام ، فقالوا في جوابهم : إن هذا لزمنا في التخصيص لزمكم في الاستثناء ، فإنكم تقولون في الاستثناء ما نقوله نحن في التخصيص .
هذا لفظ جوابهم ، فقد اعترف الفريقان بأن القول بكون العام المخصوص حقيقة ينفي المجاز بالكلية ، ولم يكن عند القائلين جواب سوى أن هذا يلزمنا ويلزمكم جميعا ، فثبت باعتراف الفريقين
nindex.php?page=treesubj&link=20986_28447لزوم نفي المجاز لكون العام المخصوص حقيقة ، وجمهور أهل الأرض على أنه حقيقة ، بل لا يعرف في ذلك خلاف متقدم البتة ، فإذا كان الحق أنه حقيقة ولزمه نفي المجاز ولازم الحق حق ، فنفي المجاز هو الحق ، فهذا تقرير نفي المجاز من نفس قولهم تقريرا لا حيلة لهم في دفعه .
الوجه الثاني والأربعون : أن القائلين بالمجاز قالوا واللفظ
لأبي الحسين يعرف المجاز بالاستدلال ، وذلك بأن يسبق إلى أذهان أهل اللغة عند سماع اللفظ من غير قرينة معنى من المعاني دون آخر ، فعلموا بذلك أنه حقيقة فيما سبق إلى الفهم ، لأنه لولا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ لذلك المعنى ما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره .
فهذا الكلام يتضمن أمرين : أحدهما : أن يكون السابق يسبق إلى أفهام أهل اللغة دون غيرهم ، فمن لم يكن من أهل اللغة العربية التي بها نزل القرآن ، لم يكن من أهل هذه اللغة
كالنبط الذين أكثر عاداتهم استعمال كثير من الألفاظ في غير ما كانت العرب تستعمله فيها ، وحينئذ فلا عبرة بالسبق إلى أفهام النبط الذين ليسوا من هؤلاء العرب العرباء ، فأكثر القائلين بالمجاز أو كلهم ليسوا من أولئك العرب ، بل من النبط الذين لا يحتج بفهمهم باتفاق العقلاء ، وأما العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ففهمهم هو الحجة .
فقولكم أمارة الحقيقة السبق إلى الفهم ، أفهم هؤلاء تريدون أم فهم النبط ؟ .
وإذا كانت العبرة بفهم العرب فالله يعلم وملائكته وكتبه ورسله والعقلاء أن أحدا
[ ص: 326 ] منهم لم يقل قط : إن هذا اللفظ مستعمل فيما وضع له ، وهذا غير مستعمل فيما وضع له ، ولا قال عربي واحد منهم : إن هذا حقيقة وهذا مجاز ، ولا قال أحد منهم : إن هذا المعنى هو السابق إلى الفهم من هذا اللفظ دون هذا المعنى ، بل هم متفقون من أولهم إلى آخرهم على أن كل لفظ معه قرينة يسبق إلى الفهم ما يدل عليه مع تلك القرينة ، وذلك بالاضطراب لهم ، لم يوقفهم عليه موقف ، بلى هو معهم من أصل النشأة ، وهم أكمل عقولا وأصح أذهانا أن يجردوا الألفاظ عن جميع القرائن وينعقوا بها كالأصوات الغفل التي لا تفيد شيئا .
الأمر الثاني : قولكم أن يسبق إلى أفهام أهل اللغة عند سماع اللفظة من غير قرينة معنى ، فهذا نكرة في سياق النفي يعم كل قرينة ، وليس شيء من الكلام المؤلف المقيد يفيد بغير قرينة ، بل إما أن يكون مؤلفا من اسمين أو من اسم وفعل ، أو من اسم وحرف ، على رأي ، ولا بد أن تعرف عادة المتكلم في خطابه ولا بد من سياق يدل على المراد ، ولا بد من قيد يعين المراد ، فإن أردتم السبق إلى الفهم بدون كل قرينة فهذا غير موجود في الكلام المؤلف المنظوم ، يوضحه :
الوجه الثالث والأربعون : أن القائلين بالمجاز قالوا : الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا ، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا بقرينة ، ومنهم من قال : القرينة استعمال الحقيقة في موضوعه ، والمجاز استعماله في غير موضوعه .
وعلى التقديرين فالاستعمال عندكم داخل في حد الحقيقة والمجاز ، إما بالتضمن على الرأي الأول وإما بالمطابقة على الرأي الثاني ، وإذا كان كذلك فاللفظ المجرد عن جميع القرائن لا يستعمله العقلاء ، لا من العرب ولا من غيرهم ، ولا يستعمل إلا مقيدا ، والاستعمال يقيده قطعا ولا يجتمع قولكم : إن الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له ، وقولكم : هي ما يسبق إلى الفهم من اللفظ عند تجرده عن كل قرينة فتأمله ، يوضحه :
الوجه الرابع والأربعون : وهو
nindex.php?page=treesubj&link=28447مما يرفع المجاز بالكلية أنهم قالوا : إن من علامة الحقيقة السبق إلى الفهم ، وشرطوا في كونها حقيقة الاستعمال ، كما تقدم ، وعند الاستعمال لا يسبق إلى الفهم غير المعنى الذي استعمل اللفظ فيه فيجب أن يكون حقيقة ، فلا يسبق إلى فهم أحد من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفرس الذي ركبه : " إن وجدناه لبحرا " بالماء الكثير المستبحر ، فإن في " وجدناه " ضميرا يعود على الفرس
[ ص: 327 ] يمنع أن يراد به الماء الكثير ، ولا يسبق إلى فهم أحد من قوله صلى الله عليه وسلم "
إن خالدا سيف سله الله على المشركين " أن
خالدا حديدة طويلة لها شفرتان ، بل السابق إلى الأفهام من هذا التركيب نظير السابق من قولهم : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=10347280يا رسول الله ، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء " ، ونظير السابق إلى الفهم من قوله : إنه قال : لا إله إلا الله بعدما علوته بالسيف ، فكيف كان هذا حقيقة وذاك مجازا ، والسبق إلى الفهم في الموضعين واحد ؟ .
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في
حمزة "
إنه أسد الله وأسد رسوله " وقول
أبي بكر رضي الله عنه في
أبي قتادة : لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه ، لم يسبق فهمه أنه الحيوان الذي يمشي على أربع ، بل يسبق من قوله أن ثلاثة حفروا زبية أسد فوقعوا فيها فقتلهم الأسد ، معناه .
ولا يفهم أحد من قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=112فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) أن الجوع والخوف طعام يؤكل بالفهم ، بل هذا التركيب لهذا المفعول ! مع هذا الفعل حقيقة في معناه كالتركيب في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=106&ayano=4أطعمهم من جوع ) ونسبة هذا إلى معناه المراد به كنسبة الآخر إلى معناه ، وفهم أحد المعنيين من هذا العقد والتركيب كفهم المعنى الآخر والسبق كالسبق ، والتجريد عن كل قرينة ممتنع ،
[ ص: 328 ] وكذلك من سمع قوله : "
الحجر الأسود يمين الله في الأرض " فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ، لم يسبق إلى فهمه من هذا اللفظ غير معناه الذي سبق له وقصد به وأن تقبيل الحجر الأسود ومصافحته منزل منزلة تقبيل يمين الله ومصافحته ، فهذا حقيقة هذا اللفظ ، فإن المتبادر السابق إلى الفهم منه لا يفهم الناس منه غير ذلك ، ولا يفهم أحد منه أن الحجر الأسود هو صفة الله القديمة القائمة به ، فهذا لا يخطر ببال أحد عند سماع هذا اللفظ أصلا ، فدعوى أن هذا حقيقة وأنه خرج إلى مجازه بهذا التركيب خطأ ، ونكتة هذا الوجه أن
nindex.php?page=treesubj&link=28447المجرد لا يستعمل ولا يكون حقيقة ولا مجازا ، والمستعمل معه من القرائن ما يدل على المراد منه ويكون هو السابق إلى الفهم ، والمقدمتان لا ينكرهما المنازع ولا أحد من العقلاء ، وذلك مما رفع المجاز بالكلية .
الوجه الخامس والأربعون : أن
nindex.php?page=treesubj&link=28447القائلين بالمجاز قد أبطل بعضهم ضوابط بعض ، قال
أبو الحسين : وقد قيل : إن الشيء إذا سمي باسم ما هو جزاء عنه كان حقيقة كقوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=40وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ، أو باسم ما يؤدي إليه كالنكاح ، أو باسم ما يشبهه كتسمية البليد حمارا ، قال
أبو الحسين : ولقائل أن يقول : لا يمتنع أن يستعمل في الشيء فيما يشبهه وفيما هو جزاء عنه وفيما يؤدي إليه في أصل الوضع .
قال شيخنا : قول هؤلاء باطل بل هو بالضد أحق ، فإن الشيء يسمى باسم ما هو جزاء عنه فيكون كقوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=60هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) وقوله صلى الله عليه وسلم "
nindex.php?page=hadith&LINKID=10347283من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة " .
قال تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=86وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) وقال تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=7فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) وقال تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=7إن تنصروا الله ينصركم )
[ ص: 329 ] (
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=40ولينصرن الله من ينصره ) وكذلك سمي الشيء باسم ما يشبهه ويكون حقيقة بل عامة أسماء الحقائق وأسماء الأجناس معلقة على الشيء وعلى ما يشبهه ، فكون الشيء يشبه المعنى يقتضي كون اللفظ حقيقة فيهما متواطئا أو مشككا ، ولا يقتضي أن يكون مجازا في أحد المتشابهين ، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى .
وكذلك لفظ النكاح ، فلم يقع في القرآن إلا والمراد به العقد والوطء ، فيتناولها جميعا ، وأما اختصاصه بالوطء وحده فليس في القرآن ولا في موضع واحد ، لكن اللفظ العام لشيئين في النهي يتناول النهي عن كل منهما بخلاف الأمر فإنه يتناولهما جميعا ، فلا يكون ممتثلا للنهي حتى يتركهما جميعا ، ولا للأمر حتى يفعلهما جميعا ، فقوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=22ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) يقتضي المنع من نكاح من عقد عليها الآباء ولم يدخلوا بهن وتحريم من وطئهن الآباء ولم يعقدوا عليهن ، وقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=3فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=32وأنكحوا الأيامى منكم ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=25فانكحوهن بإذن أهلهن ) ليس المراد به عقدا مجردا عن وطء ، ولا وطئا مجردا عن عقد ، بل هما جميعا ، وقد تقدم ذكر فروقهم وإبطالها ، وإنما أعدنا هذا الفرق لبيان أن القائلين بالمجاز قد أبطلوه وأنه باقتضاء ضد قولهم أولى .
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ : أَنَّ اللَّفْظَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ ،
nindex.php?page=treesubj&link=22156وَالْقَرَائِنُ ضَرْبَانِ : لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ ، وَاللَّفْظِيَّةُ نَوْعَانِ : مُتَّصِلَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ ، وَالْمُتَّصِلَةٌ ضَرْبَانِ : مُسْتَقِلَّةٌ وَغَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ إِمَّا عَقْلِيَّةُ وَإِمَّا عُرْفِيَّةُ ، وَالْعُرْفِيَّةُ إِمَّا عَامَّةٌ وَإِمَّا خَاصَّةٌ ، وَتَارَةً يَكُونُ عُرْفَ الْمُتَكَلِّمِ وَعَادَتَهُ ، وَتَارَةً عُرْفَ الْمُخَاطَبِ وَعَادَتَهُ ، فَمَا الَّذِي تَعْتَبِرُونَ فِي الْمَجَازِ مِنْ تِلْكَ الْقَرَائِنِ ، هَلْ هُوَ الْجَمِيعُ ؟ فَكُلُّ مَا اقْتَرَنَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مَجَازًا ، فَجَمِيعُ لُغَاتِ بَنِي آدَمَ مَجَازٌ ، أَوِ اللَّفْظِيَّةُ دُونَ الْمَعْنَوِيَّةِ أَوِ الْعَكْسُ ، أَوْ بَعْضُ اللَّفْظِ دُونَ بَعْضِ ، فَلَا يَذْكُرُونَ نَوْعًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا طُولِبُوا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ لُغَةً أَوْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ مُتَحَكِّمِينَ مُفَرِّقِينَ بَيْنَ مَا لَا يُسَوَّغُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ .
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=21140الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حَقِيقَةٌ ، سَوَاءٌ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ ، بِعَقْلِيٍّ أَوْ لَفْظِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ ، وَإِنَّمَا حَدَثَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعُصُورِ الْمُفَضَّلَةِ الَّتِي شَهِدَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهَا خَيْرُ الْقُرُونِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ يَصِيرُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مَجَازًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَبْقَى مُجْمَلًا لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، فَقَالَ لَهُمُ الْجُمْهُورُ : هُوَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، قَالُوا : فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْعُمُومِ بِمُجَرَّدِهِ وَلِلْخُصُوصِ بِقَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ مِثْلُ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسَ مَجَازًا ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، وَالْقَرِينَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فِي مَعْنَى الْقَرِينَةِ الْمُتَّصِلَةِ ، وَالْخَاصُّ مَعَ الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَثْنَى مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقَائِلُ : خَرَجَ زَيْدٌ ، فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ خُرُوجِهِ ، وَيَضُمُّ إِلَيْهِ " مَا " فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ ضِدِّهِ ، وَتُضِيفُ إِلَيْهِ الْهَمْزَةَ فَيَكُونُ اسْتِفْهَامًا ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا .
هَذِهِ أَلْفَاظُ
nindex.php?page=showalam&ids=11872الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ هِيَ صَرِيحَةٌ فِي نَفْيِ الْمَجَازِ ، وَأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِمُطْلَقِ الْمَعْنَى وَبِالْقَرِينَةِ لِغَيْرِهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقِيقَةٌ ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ
[ ص: 325 ] دُونَ التَّحَكُّمِ وَالتَّنَاقُضِ ، وَلِهَذَا لَمَّا فَهِمَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مَجَازًا بَعْدَ التَّحْقِيقِ عَنْ ذَلِكَ أَلْزَمُوا الْجُمْهُورَ بِنَفْيِ الْمَجَازِ ، فَقَالُوا : هَذَا يُودِي إِلَى أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ مَجَازٌ ، قَالُوا : لِأَنَّ قَوْلَنَا ( بَحْرٌ ) مَوْضُوعٌ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ بِمُجَرَّدِهِ ، وَالْعَالِمِ وَالْجَوَادِ بِقَرِينَةٍ ، وَالْأَسَدُ مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ بِمُجَرَّدِهِ ، وَلِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ بِقَرِينَةٍ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ارْتَفَعَ الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ ، وَهَذَا سُؤَالٌ صَحِيحٌ ، وَلِهَذَا لَمْ يُجِبْهُمْ عَنْهُ مُنَازِعُونَ إِلَّا بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ، فَقَالُوا فِي جَوَابِهِمْ : إِنْ هَذَا لَزِمَنَا فِي التَّخْصِيصِ لَزِمَكُمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مَا نَقُولُهُ نَحْنُ فِي التَّخْصِيصِ .
هَذَا لَفْظُ جَوَابِهِمْ ، فَقَدِ اعْتَرَفَ الْفَرِيقَانِ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ حَقِيقَةً يَنْفِي الْمَجَازَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ جَوَابٌ سِوَى أَنَّ هَذَا يَلْزَمُنَا وَيَلْزَمُكُمْ جَمِيعًا ، فَثَبَتَ بِاعْتِرَافِ الْفَرِيقَيْنِ
nindex.php?page=treesubj&link=20986_28447لُزُومُ نَفْيِ الْمَجَازِ لِكَوْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ حَقِيقَةً ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ ، بَلْ لَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مُتَقَدِّمٌ الْبَتَّةَ ، فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَزِمَهُ نَفْيُ الْمَجَازِ وَلَازِمُ الْحَقِّ حَقٌّ ، فَنَفْيُ الْمَجَازِ هُوَ الْحَقُّ ، فَهَذَا تَقْرِيرُ نَفْيِ الْمَجَازِ مِنْ نَفْسِ قَوْلِهِمْ تَقْرِيرًا لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي دَفْعِهِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ قَالُوا وَاللَّفْظُ
لِأَبِي الْحُسَيْنِ يُعْرَفُ الْمَجَازُ بِالِاسْتِدْلَالِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْبِقَ إِلَى أَذْهَانِ أَهْلِ اللُّغَةِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي دُونَ آخَرَ ، فَعَلِمُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيمَا سَبَقَ إِلَى الْفَهْمِ ، لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُ قَدِ اضْطُرَّ السَّامِعُ مِنْ قَصْدِ الْوَاضِعِينَ إِلَى أَنَّهُمْ وَضَعُوا اللَّفْظَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى مَا سَبَقَ إِلَى فَهْمِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ .
فَهَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ السَّابِقُ يَسْبِقُ إِلَى أَفْهَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ ، لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ
كَالنَّبَطِ الَّذِينَ أَكْثَرُ عَادَاتِهِمُ اسْتِعْمَالُ كَثِيرٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ فِي غَيْرِ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا ، وَحِينَئِذٍ فَلَا عِبْرَةَ بِالسَّبْقِ إِلَى أَفْهَامِ النَّبَطِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ ، فَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ أَوْ كُلُّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أُولَئِكَ الْعَرَبِ ، بَلْ مِنَ النَّبَطِ الَّذِينَ لَا يُحْتَجُّ بِفَهْمِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ فَفَهْمُهُمْ هُوَ الْحُجَّةُ .
فَقَوْلُكُمْ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ السَّبْقُ إِلَى الْفَهْمِ ، أَفَهْمَ هَؤُلَاءِ تُرِيدُونَ أَمْ فَهْمَ النَّبَطِ ؟ .
وَإِذَا كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِفَهْمِ الْعَرَبِ فَاللَّهُ يَعْلَمُ وَمَلَائِكَتُهُ وَكُتُبُهُ وَرُسُلُهُ وَالْعُقَلَاءُ أَنَّ أَحَدًا
[ ص: 326 ] مِنْهُمْ لَمْ يَقُلْ قَطُّ : إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، وَلَا قَالَ عَرَبِيٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ : إِنَّ هَذَا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ : إِنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ دُونَ هَذَا الْمَعْنَى ، بَلْ هُمْ مُتَّفِقُونَ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مَعَهُ قَرِينَةٌ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ ، وَذَلِكَ بِالِاضْطِرَابِ لَهُمْ ، لَمْ يُوقِفْهُمْ عَلَيْهِ مَوْقِفٌ ، بَلَى هُوَ مَعَهُمْ مِنْ أَصْلِ النَّشْأَةِ ، وَهُمْ أَكْمَلُ عُقُولًا وَأَصَحُّ أَذْهَانًا أَنْ يُجَرِّدُوا الْأَلْفَاظَ عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ وَيَنْعِقُوا بِهَا كَالْأَصْوَاتِ الْغُفْلِ الَّتِي لَا تُفِيدُ شَيْئًا .
الْأَمْرُ الثَّانِي : قَوْلُكُمْ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى أَفْهَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظَةِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةِ مَعْنًى ، فَهَذَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يَعُمُّ كُلَّ قَرِينَةٍ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمُقَيَّدِ يُفِيدُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مِنِ اسْمَيْنِ أَوْ مِنِ اسْمٍ وَفِعْلٍ ، أَوْ مِنِ اسْمٍ وَحَرْفٍ ، عَلَى رَأْيٍ ، وَلَا بُدَّ أَنْ تُعْرَفَ عَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ فِي خِطَابِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ سِيَاقٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ يُعِينُ الْمُرَادَ ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ السَّبْقَ إِلَى الْفَهْمِ بِدُونِ كُلِّ قَرِينَةٍ فَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمَنْظُومِ ، يُوَضِّحُهُ :
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ قَالُوا : الْحَقِيقَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا ، وَالْمَجَازُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بِقَرِينَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْقَرِينَةُ اسْتِعْمَالُ الْحَقِيقَةِ فِي مَوْضُوعِهِ ، وَالْمَجَازُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ .
وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالِاسْتِعْمَالُ عِنْدَكُمْ دَاخِلٌ فِي حَدِّ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ، إِمَّا بِالتَّضَمُّنِ عَلَى الرَّأْيِ الْأَوَّلِ وَإِمَّا بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى الرَّأْيِ الثَّانِي ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاللَّفْظُ الْمُجَرَّدُ عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْعُقَلَاءُ ، لَا مِنَ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُقَيَّدًا ، وَالِاسْتِعْمَالُ يُقَيِّدُهُ قَطْعًا وَلَا يَجْتَمِعُ قَوْلُكُمْ : إِنَّ الْحَقِيقَةَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ ، وَقَوْلُكُمْ : هِيَ مَا يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ اللَّفْظِ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْ كُلِّ قَرِينَةٍ فَتَأَمَّلْهُ ، يُوَضِّحُهُ :
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ : وَهُوَ
nindex.php?page=treesubj&link=28447مِمَّا يَرْفَعُ الْمَجَازَ بِالْكُلِّيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْحَقِيقَةِ السَّبْقَ إِلَى الْفَهْمِ ، وَشَرَطُوا فِي كَوْنِهَا حَقِيقَةً الِاسْتِعْمَالَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ، فَلَا يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِ أَحَدٍ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَرَسِ الَّذِي رَكِبَهُ : " إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا " بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُسْتَبْحِرِ ، فَإِنَّ فِي " وَجَدْنَاهُ " ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْفَرَسِ
[ ص: 327 ] يَمْنَعُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ ، وَلَا يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِ أَحَدٍ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
إِنَّ خَالِدًا سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ " أَنَّ
خَالِدًا حَدِيدَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا شَفْرَتَانِ ، بَلِ السَّابِقُ إِلَى الْأَفْهَامِ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ نَظِيرُ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِمْ : "
nindex.php?page=hadith&LINKID=10347280يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ " ، وَنَظِيرُ السَّابِقِ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بَعْدَمَا عَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ ، فَكَيْفَ كَانَ هَذَا حَقِيقَةً وَذَاكَ مَجَازًا ، وَالسَّبَقُ إِلَى الْفَهْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ ؟ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
حَمْزَةَ "
إِنَّهُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ " وَقَوْلُ
أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي
أَبِي قَتَادَةَ : لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، لَمْ يَسْبِقْ فَهْمَهُ أَنَّهُ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ، بَلْ يَسْبِقُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ ثَلَاثَةً حَفَرُوا زُبْيَةَ أَسَدٍ فَوَقَعُوا فِيهَا فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ ، مَعْنَاهُ .
وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=112فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) أَنَّ الْجُوعَ وَالْخَوْفَ طَعَامٌ يُؤْكَلُ بِالْفَهْمِ ، بَلْ هَذَا التَّرْكِيبُ لِهَذَا الْمَفْعُولِ ! مَعَ هَذَا الْفِعْلِ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَاهُ كَالتَّرْكِيبِ فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=106&ayano=4أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) وَنِسْبَةُ هَذَا إِلَى مَعْنَاهُ الْمُرَادِ بِهِ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إِلَى مَعْنَاهُ ، وَفَهْمُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ وَالتَّرْكِيبِ كَفَهْمِ الْمَعْنَى الْآخَرِ وَالسَّبَقُ كَالسَّبْقِ ، وَالتَّجْرِيدُ عَنْ كُلِّ قَرِينَةٍ مُمْتَنِعٌ ،
[ ص: 328 ] وَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ : "
الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ " فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ ، لَمْ يَسْبِقْ إِلَى فَهْمِهِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ غَيْرُ مَعْنَاهُ الَّذِي سَبَقَ لَهُ وَقَصَدَ بِهِ وَأَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَمُصَافَحَتَهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ تَقْبِيلِ يَمِينِ اللَّهِ وَمُصَافَحَتِهِ ، فَهَذَا حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ ، فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ السَّابِقَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ لَا يَفْهَمُ النَّاسُ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْهُ أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ هُوَ صِفَةُ اللَّهِ الْقَدِيمَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ ، فَهَذَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا اللَّفْظِ أَصْلًا ، فَدَعْوَى أَنَّ هَذَا حَقِيقَةٌ وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَجَازِهِ بِهَذَا التَّرْكِيبِ خَطَأٌ ، وَنُكْتَةُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28447الْمُجَرَّدَ لَا يُسْتَعْمَلُ وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا ، وَالْمُسْتَعْمَلُ مَعَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ وَيَكُونُ هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ لَا يُنْكِرُهُمَا الْمُنَازِعُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ ، وَذَلِكَ مِمَّا رَفَعَ الْمَجَازَ بِالْكُلِّيَّةِ .
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=28447الْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ قَدْ أَبْطَلَ بَعْضُهُمْ ضَوَابِطَ بَعْضٍ ، قَالَ
أَبُو الْحُسَيْنِ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا سُمِّيَ بِاسْمِ مَا هُوَ جَزَاءٌ عَنْهُ كَانَ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=40وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ، أَوْ بِاسْمِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ كَالنِّكَاحِ ، أَوْ بِاسْمِ مَا يُشْبِهُهُ كَتَسْمِيَةِ الْبَلِيدِ حِمَارًا ، قَالَ
أَبُو الْحُسَيْنِ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الشَّيْءِ فِيمَا يُشْبِهُهُ وَفِيمَا هُوَ جَزَاءٌ عَنْهُ وَفِيمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ .
قَالَ شَيْخُنَا : قَوْلُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بَلْ هُوَ بِالضِّدِّ أَحَقُّ ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يُسَمَّى بِاسْمِ مَا هُوَ جَزَاءٌ عَنْهُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=55&ayano=60هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
nindex.php?page=hadith&LINKID=10347283مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .
قَالَ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=86وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ) وَقَالَ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=7فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) وَقَالَ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=47&ayano=7إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ )
[ ص: 329 ] (
nindex.php?page=tafseer&surano=22&ayano=40وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) وَكَذَلِكَ سُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا يُشْبِهُهُ وَيَكُونُ حَقِيقَةً بَلْ عَامَّةُ أَسْمَاءِ الْحَقَائِقِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الشَّيْءِ وَعَلَى مَا يُشْبِهُهُ ، فَكَوْنُ الشَّيْءِ يُشْبِهُ الْمَعْنَى يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِيهِمَا مُتَوَاطِئًا أَوْ مُشَكِّكًا ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي أَحَدِ الْمُتَشَابِهَيْنِ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَكَذَلِكَ لَفْظُ النِّكَاحِ ، فَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ ، فَيَتَنَاوَلُهَا جَمِيعًا ، وَأَمَّا اخْتِصَاصُهُ بِالْوَطْءِ وَحْدَهُ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، لَكِنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لِشَيْئَيْنِ فِي النَّهْيِ يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلنَّهْيِ حَتَّى يَتْرُكَهُمَا جَمِيعًا ، وَلَا لِلْأَمْرِ حَتَّى يَفْعَلَهُمَا جَمِيعًا ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=22وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا الْآبَاءُ وَلَمْ يَدْخُلُوا بِهِنَّ وَتَحْرِيمَ مَنْ وَطِئَهُنَّ الْآبَاءُ وَلَمْ يَعْقِدُوا عَلَيْهِنَّ ، وَقَوْلُهُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=3فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=24&ayano=32وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ) ، (
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=25فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدًا مُجَرَّدًا عَنْ وَطْءٍ ، وَلَا وَطْئًا مُجَرَّدًا عَنْ عَقْدٍ ، بَلْ هُمَا جَمِيعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فُرُوقِهِمْ وَإِبْطَالُهَا ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَا هَذَا الْفَرْقَ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ قَدْ أَبْطَلُوهُ وَأَنَّهُ بِاقْتِضَاءٍ ضِدِّ قَوْلِهِمْ أَوْلَى .