الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              مسألة المرسل مقبول عند مالك وأبي حنيفة والجماهير .

              ومردود عند الشافعي والقاضي وهو المختار وصورته أن يقول : " قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم من لم يعاصره أو قال من لم يعاصر أبا هريرة " قال أبو هريرة " والدليل أنه لو ذكر شيخه ولم يعدله وبقي مجهولا عندنا لم نقبله ، فإذا لم يسمه فالجهل أتم ، فمن لا يعرف عينه كيف تعرف عدالته ؟ فإن قيل : رواية العدل عنه تعديل .

              فالجواب من وجهين :

              الأول : أنا لا نسلم ، فإن العدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه أو جرحه ، وقد رأيناهم رووا عمن إذا سئلوا عنه عدلوه مرة وجرحوه أخرى أو قالوا لا ندري ، فالراوي عنه ساكت عن تعديله . ولو كان السكوت عن الجرح تعديلا لكان السكوت عن التعديل جرحا ، ولوجب أن يكون الراوي إذا جرح من روى عنه مكذبا نفسه ; ولأن شهادة الفرع ليس تعديلا للأصل ما لم يصرح . وافتراق الرواية والشهادة في بعض التعبدات لا يوجب فرقا في هذا المعنى كما لم يوجب فرقا في منع قبول رواية المجروح والمجهول .

              وإذا لم يجز أن يقال : لا يشهد العدل إلا على شهادة عدل ، لم يجز ذلك في الرواية ووجب فيها معرفة عين الشيخ والأصل حتى ينظر في حالهما . فإن قيل : العنعنة كافية في الرواية مع أن قوله " روى فلان عن فلان عن فلان " يحتمل ما لم يسمعه فلان عن فلان ، بل بلغه بواسطة ومع الاحتمال يقبل ومثل ذلك في الشهادة لا يقبل . قلنا : هذا إذا لم يوجب فرقا في رواية المجهول .

              والمرسل مروي عن مجهول ، فينبغي أن لا يقبل . ثم العنعنة جرت العادة بها في الكتبة ، فإنهم استثقلوا أن يكتبوا عند كل اسم " روى عن فلان سماعا منه " وشحوا على القرطاس والوقت أن يضيعوه فأوجزوا . وإنما يقبل في الرواية ذلك إذا علم بصريح لفظه أو عادته أنه يريد به السماع ، فإن لم يرد السماع فهو متردد بين المسند والمرسل فلا يقبل .

              الجواب الثاني : أنا إن سلمنا جدلا أن الرواية تعديل فتعديله المطلق لا يقبل ما لم يذكر السبب ، فلو صرح بأنه سمعه من عدل ثقة لم يلزم قبوله ، وإن سلم قبول التعديل [ ص: 135 ] المطلق فذلك في حق شخص نعرف عينه ولا يعرف بفسق ، أما من لم نعرف عينه فلعله لو ذكره لعرفناه بفسق لم يطلع عليه المعدل ، وإنما يكتفى في كل مكلف بتعريف غيره عند العجز عن معرفة نفسه ولا يعلم عجزه ما لم يعرفه بعينه .

              وبمثل هذه العلة لم يقبل تعديل شاهد الفرع مطلقا ما لم يعرف الأصل ولم يعينه ، فلعل الحاكم يعرفه بفسق وعداوة ، وغيره احتجوا باتفاق الصحابة والتابعين على قبول مرسل العدل ، فابن عباس مع كثرة روايته قيل : إنه لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أحاديث لصغر سنه ، وصرح بذلك في حديث الربا في النسيئة وقال : " حدثني به أسامة بن زيد " وروى { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة } ، فلما روجع قال : " حدثني به أخي الفضل بن عباس " .

              وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من صلى على جنازة فله قيراط } ثم أسنده إلى أبي هريرة . وروى أبو هريرة : أن { من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له } وقال : ما أنا قلتها ورب الكعبة . ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم قالها ، فلما روجع قال : " حدثني به الفضل بن عباس ، وقال البراء بن عازب : ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابه ببعضه .

              أما التابعون فقد قال النخعي : إذا قلت حدثني فلان عن عبد الله فهو حدثني ، وإذا قلت قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد . وكذلك نقل عن جماعة من التابعين قبول المرسل . والجواب من وجهين ، الأول : أن هذا صحيح ويدل على قبول بعضهم المراسيل ، والمسألة في محل الاجتهاد ولا يثبت فيها إجماع أصلا .

              وفيه ما يدل على أن الجملة لم يقبلوا المراسيل ولذلك باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة مع جلالة قدرهم لا لشك في عدالتهم ولكن للكشف عن الراوي . فإن قيل : قبل بعضهم وسكت الآخرون فكان إجماعا . قلنا : لا نسلم ثبوت الإجماع بسكوتهم لا سيما في محل الاجتهاد ، بل لعله سكت مضمرا للإنكار أو مترددا فيه .

              والجواب الثاني : أن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنهم يحدثون عن الصحابة وكلهم عدول ، ومنهم من أضاف إليه مراسيل التابعين لأنهم يروون عن الصحابة ، ومنهم من خصص كبار التابعين بقبول مرسله .

              والمختار على قياس رد المرسل أن التابعي والصحابي إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله ، وإن لم يعرف ذلك فلا يقبل ; لأنهم قد يروون عن غير الصحابي من الأعراب الذين لا صحبة لهم ، وإنما ثبتت لنا عدالة أهل الصحبة .

              قال الزهري بعد الإرسال : حدثني به رجل على باب عبد الملك . وقال عروة بن الزبير فيما أرسله عن بسرة : حدثني به بعض الحرس .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية