الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              مسألة ذهب عبد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع .

              فنقول له : إن أردت أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في الطلب فهذا غير محال عقلا ولكنه باطل إجماعا وشرعا كما سبق رده على الجاحظ ، وإن عنيت به أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده فنقول : كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقا وإثبات الصانع ونفيه حقا وتصديق الرسول وتكذيبه حقا وليست هذه الأوصاف وضعية كالأحكام الشرعية ؟ إذ يجوز أن يكون الشيء حراما على زيد وحلالا لعمرو إذا وضع كذلك ، أما الأمور الذاتية فلا تتبع الاعتقاد بل الاعتقاد يتبعها ، فهذا المذهب شر من مذهب الجاحظ ; فإنه أقر بأن المصيب واحد ولكن جعل المخطئ معذورا ، بل هو شر من مذهب السوفسطائية لأنهم نفوا حقائق الأشياء وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها تابعة للاعتقادات ، فهذا أيضا لو ورد به [ ص: 350 ] الشرع لكان محالا بخلاف مذهب الجاحظ

              وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا المذهب فأنكروه وأولوه ، وقالوا : أراد به اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية التي لا يلزم فيها تكفير كمسألة الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن وإرادة الكائنات ; لأن الآيات والأخبار فيها متشابهة ، وأدلة الشرع فيها متعارضة

              وكل فريق ذهب إلى ما رآه أوفق لكلام الله وكلام رسوله عليه السلام وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه فكانوا فيه مصيبين ومعذورين .

              فنقول : إن زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا ; لأن هذه أمور ذاتية لا تختلف بالإضافة بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا أيضا بل أحدهما ، والرؤية محالا وممكنا أيضا والمعاصي بإرادة الله تعالى وخارجة عن إرادته أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو بخلاف الحلال والحرام فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات .

              وإن أراد أن المصيب واحد لكن المخطئ معذور غير آثم ، فهذا ليس بمحال عقلا لكنه باطل بدليل الشرع واتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض وفروع الفقه .

              فهذا من حيث الشرع دليل قاطع ، وتحقيقه أن اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به جهل ، والجهل بالله حرام مذموم ، والجهل بجواز رؤية الله تعالى وقدم كلامه الذي هو صفته وشمول إرادته المعاصي وشمول قدرته في التعلق بجميع الحوادث ، كل ذلك جهل بالله وجهل بدين الله فينبغي أن يكون حراما ، ومهما كان الحق في نفسه واحدا متعينا كان أحدهما معتقدا للشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا .

              فإن قيل : يبطل هذا بالجهل في المسائل الفقهية وبالجهل في الأمور الدنيوية كجهله إذا اعتقد أن الأمير في الدار وليس فيها وأن المسافة بين مكة والمدينة أقل أو أكثر مما هي عليها .

              قلنا : أما الفقهيات فلا يتصور الجهل فيها إذ ليس فيها حق معين ، وأما الدنيويات فلا ثواب في معرفتها ولا عقاب على الجهل فيها ، وأما معرفة الله تعالى ففيها ثواب وفي الجهل بها عقاب والمستند فيه الإجماع دون دليل العقل وإلا فدليل العقل لا يحيل حط المأثم عن الجاهل بالله فضلا عن الجاهل بصفات الله تعالى وأفعاله .

              فإن قيل : إنما يأثم بالجهل فيما يقدر فيه على العلم ويظهر عليه الدليل ، والأدلة غامضة ، والشبهات في هذه المسائل متعارضة . قلنا : وكذلك في مسألة حدوث العالم وإثبات النبوات وتمييز المعجزة عن السحر ففيها أدلة غامضة ولكنه لم ينته الغموض إلى حد لا يمكن فيه تمييز الشبهة عن الدليل ، فكذلك في هذه المسألة عندنا أدلة قاطعة على الحق ; ولو تصورت مسألة لا دليل عليها لكنا نسلم أنه لا تكليف على الخلق فيها .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية