الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              الفصل الثالث من السوابق في أحكام المعاني المؤلفة

              قد نظرنا في مجرد اللفظ ثم في مجرد المعنى ، فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب ، كقولنا مثلا : العالم حادث والباري تعالى قديم ، فإن هذا يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى إما بالإثبات كقولك العالم حادث أو بالسلب كقولك العالم ليس بقديم ; وقد التأم هذا من جزأين يسمي النحويون أحدهما مبتدأ والآخر خبرا ، ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا والآخر موصوفا ، ويسمي المنطقيون أحدهما موضوعا والآخر محمولا ، ويسمي الفقهاء أحدهما حكما والآخر محكوما عليه ، ويسمى المجموع قضية .

              وأحكام القضايا كثيرة ، ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة إليه وتضر الغفلة عنه ; وهو حكمان : الأول : القضية تنقسم بالإضافة إلى المقضي عليه إلى التعيين والإهمال والعموم والخصوص ، فهي أربع

              الأولى : قضية في عين ، كقولنا زيد كاتب وهذا السواد عرض .

              الثانية : قضية مطلقة خاصة ، كقولنا بعض الناس عالم وبعض الأجسام ساكن

              الثالثة : قضية مطلقة عامة ، كقولنا كل جسم متحيز وكل سواد لون

              الرابعة : قضية مهملة ، كقولنا : الإنسان في خسر وعلة هذه القسمة أن المحكوم عليه إما أن يكون عينا مشارا إليه أو لا يكون عينا ، فإن لم يكن عينا فإما أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته فتكون مطلقة عامة أو بجزئيته فتكون خاصة أو لا يحصر بسور فتكون مهملة ; والسور هو قولك كل " وبعض وما يقوم مقامهما .

              ومن طرق المغالطين في النظر استعمال المهملات بدل القضايا العامة ، فإن المهملات قد يرد بها الخصوص والعموم فيصدق طرفا النقيض ، كقولك : الإنسان في خسر ، تعني الكافر . الإنسان ليس في خسر ، تعني الأنبياء . ولا ينبغي أن يسامح بهذا في النظريات ، مثال أن يقول الشفعوي مثلا : معلوم أن المطعوم ربوي والسفرجل مطعوم فهو إذا ربوي ; فإن قيل : لم قلت المطعوم ربوي ؟ فتقول : دليله البر والشعير والتمر بمعنى فإنها مطعومات وهي ربوية .

              فينبغي أن يقال : فقولك المطعوم ربوي أردت به كل المطعومات أو بعضها ؟ فإن أردت البعض لم تلزم النتيجة إذ يمكن أن يكون السفرجل من [ ص: 30 ] البعض الذي ليس ربويا ويكون هذا خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه ، وإن أردت الكل فمن أين عرفت هذا وما عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات ؟

              التالي السابق


              الخدمات العلمية