الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الضرب الثاني : الجهاد الذي هو فرض عين ، فإذا وطئ الكفار بلدة للمسلمين ، أو أطلوا عليها ، ونزلوا بابها قاصدين ، ولم يدخلوا ، صار الجهاد فرض عين على التفصيل الذي نبينه إن شاء الله تعالى . وعن ابن أبي هريرة وغيره أنه يبقى فرض كفاية ، والصحيح الأول ، فيتعين على أهل تلك البلدة الدفع بما أمكنهم ، وللدفع مرتبتان .

                                                                                                                                                                        إحداهما : أن يحتمل الحال اجتماعهم وتأهبهم واستعدادهم للحرب ، فعلى كل واحد من الأغنياء والفقراء التأهب بما يقدر عليه ، وإذا لم يمكنهم المقاومة إلا بموافقة العبيد ، وجب على العبيد الموافقة ، فينحل الحجر عن العبيد حتى لا يراجعوا السادات ، وإن أمكنهم المقاومة من غير موافقة العبيد ، فوجهان ، أصحهما : أن الحكم كذلك ، لتقوى القلوب ، وتعظم الشوكة ، وتشتد النكاية ، والثاني : لا ينحل الحجر عنهم للاستغناء عنهم . والنسوة إن لم تكن فيهن قوة دفاع لا يحضرن ، وإن كان فعلى ما ذكرنا في العبيد ، ويجوز أن لا يحوج المزوجة إلى إذن الزوج ، كما لا يحوج إلى إذن السيد ، ولا يجب في هذا النوع استئذان الوالدين وصاحب الدين .

                                                                                                                                                                        المرتبة الثانية : أن يتغشاهم الكفار ، ولا يتمكنوا من اجتماع وتأهب ، فمن وقف عليه كافر ، أو كفار ، وعلم أنه يقتل إن أخذ ، فعليه أن يتحرك ، ويدفع عن نفسه بما أمكن ، يستوي فيه الحر والعبد ، والمرأة والأعمى ، والأعرج ، والمريض ، ولا تكليف على الصبيان والمجانين ، وإن كان يجوز أن يقتل ويؤسر ، ولو امتنع لقتل ، جاز أن [ ص: 215 ] يستسلم ، فإن المكاوحة والحالة هذه استعجال القتل ، والأسر يحتمل الخلاص ، ولو علمت المرأة أنها لو استسلمت امتدت الأيدي إليها ، لزمها الدفع وإن كانت تقتل ؛ لأن من أكره على الزنى لا تحل له المطاوعة لدفع القتل ، فإن كانت لا تقصد بالفاحشة في الحال وإنما يظن ذلك بعد السبي ، فيحتمل أن يجوز لها الاستسلام في الحال ، ثم تدفع حينئذ ، ولو كان في أهل البقعة كثرة ، خرج بعضهم وفيهم كفاية ، ففي تحتم المساعدة على الآخرين وجهان ، أصحهما : الوجوب ؛ لأن الواقعة عظيمة ، وأما غير أهل تلك الناحية ، فمن كان منهم على دون مسافة القصر ، فهو كبعضهم ، حتى إذا لم يكن في أهل البلدة كفاية ، وجب على هؤلاء أن يطيروا إليهم ، وإن كان فيهم كفاية ، ففي وجوب المساعدة عليهم الوجهان ، ومن كان على مسافة القصر ، إن لم يكن في أهل البلدة والذين يلونهم كفاية ، وجب عليهم أن يطيروا إليهم ، فإن طار إليهم من تحصل به الكفاية ، سقط الحرج عن الباقين ، وهذا معنى قول البغوي : إذا دخل الكفار دار الإسلام ، فالجهاد فرض عين على من قرب ، وفرض كفاية في حق من بعد ، وعلى هذا فحكم أهل الأعذار على ما ذكرناه في الضرب الأول وفيه وجه ، أنه يجب على جميعهم المساعدة والمسارعة ، وليكن هذا في الأقربين ممن هو على مسافة القصر ، وإن كان في أهل البلدة والذين يلونهم كفاية ، فالأصح أنه لا يجب على الذين فوق مسافة القصر المساعدة ؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب على جميع الأمة ، وفي ذلك حرج من غير حاجة ، والثاني : يجب على الأقربين فالأقربين بلا ضبط حتى يصل الخبر بأنهم قد دفعوا وأخرجوا ، وليس لأهل البلدة ، ثم الأقربين [ ص: 216 ] فالأقربين إذا قدروا على القتال أن يلبثوا إلى لحوق الآخرين ، ولا يشترط وجود المركوب فيمن دون مسافة القصر ، وفيمن على مسافة القصر فما فوقها وجهان ، أصحهما : الاشتراط ، كالحج ، والثاني : لا ، لشدة الخطب ، ويشترط فيمن فوق مسافة القصر ودونها وجود الزاد على الأصح ، إذ لا استقلال بغير زاد ، ولا معنى لإلزامهم الخروج مع العلم بأنهم سيهلكون ، ولو نزل الكفار على خراب ، أو جبل في دار الإسلام بعيد عن الأوطان والبلدان ، ففي نزوله منزلة دخول البلدة وجهان أطلقهما الغزالي ، والذي نقله الإمام عن الأصحاب أنه ينزل منزلته ؛ لأنه من دار الإسلام ، واختار هو المنع ؛ لأن الدار تشرف بسكن المسلمين ، فإذا لم يكن مسكنا لأحد ، فتكليف المسلمين التهاوي على المتالف بعيد .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي اختاره الإمام ليس بشيء ، وكيف يجوز تمكين الكفار من الاستيلاء على دار الإسلام مع إمكان الدفع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو أسروا مسلما ، أو مسلمين ، فهل هو كدخول دار الإسلام ؟ وجهان ، أحدهما : لا ؛ لأن إزعاج الجنود لواحد بعيد ، وأصحهما : نعم ؛ لأن حرمته أعظم من حرمة الدار ، فعلى هذا لا بد من رعاية النظر ، فإن كانوا على قرب دار الإسلام ، وتوقعنا استخلاص من أسروه لو طرنا إليهم ، فعلنا ، وإن توغلوا في بلاد الكفر ولا يمكن التسارع إليهم ، وقد لا يتأتى خرقها بالجنود ، اضطررنا إلى الانتظار ، كما لو دخل منهم ملك عظيم الشوكة طرف بلاد الإسلام ، لا يتسارع إليه آحاد الطوائف .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية