الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 130 ] بحث في عجائب المسيح عليه السلام

                          أقول : إن 27 من عجائب المسيح المذكورة شفاء مرضى ومجانين لابستهم الشياطين ، وثلاث منها إقامة موتى عقب موتهم ، وما بقي فمسألة الحبل به وتحويله الماء إلى خمر وسحب الشبكة في بحر الجليل ، وإشباع خمسة آلاف مرة وأربعة آلاف مرة أخرى ، وضرب التينة العقيمة بما أيبسها ، وقيامة المسيح ، وصيد السمك والصعود .

                          وإننا نلخص رواية الأناجيل لأهمها وهو إحياء الموتى ، ونذكر ما يقوله فيها منكرو العجائب

                          الميت الأول شاب من مدينة نابين كان محمولا في جنازة وأمه تبكي فاستوقف النعش ، وقال له : أيها الشاب لك أقول قم ; فجلس وابتدأ يتكلم ، فدفعه إلى أمه ، فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين : قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ( لوقا 7 : 11 - 16 )

                          الثاني : صبية ماتت فقال له أبوها وكان رئيسا : ابنتي الآن ماتت لكن تعال فضع يدك عليها فتحيا . فجاء بيت الرئيس ووجد المزمرين والجمع يضجون فقال لهم ( ( تنحوا فإن الصبية لم تمت لكنها نائمة ) ) فضحكوا عليه ، فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها فقامت الصبية ( مت 9 : 18 - 24 ) .

                          فمنكرو العجائب يقولون إن كلا من الشاب والشابة لم يكونا قد ماتا بالفعل ، وإن كثيرا من الناس في كل زمان قد قاموا من نعوشهم ، بل من قبورهم بعد أن ظن الناس أنهم ماتوا ، ولذلك تمنع الحكومات المدنية دفن الميت إلا بعد أن يكتب أحد الأطباء شهادة بموته .

                          وللمؤمنين بالآيات أن يجزموا أيضا بأن الصبية لم تكن ميتة أخذا بظاهر قوله عليه السلام .

                          وأما الثالث فهو ( ( ليعازر ) ) حبيبه وأخو مرثا ومريم حبيبته : مرض في قريتهم ( ( بيت عنيا ) ) فأرسلتا إلى المسيح قائلتين : ( ( هو ذا الذي تحبه مريض ) ) فمكث يومين وحضر فوجد أنه مات منذ أربعة أيام فلاقته مرثا وقالت : يا سيد لو كنت هنا لم يمت أخي ، ثم دعت أختها مريم ، فلما رأته خرت عند رجليه قائلة كما قالت مرثا ، وكانوا قد ذهبوا إلى عند القبر للبكاء ، فلما رآها تبكي واليهود الذين جاءوا معها يبكون ( ( انزعج بالروح واضطرب ) ) وقال : ( ( أين وضعتموه ؟ ) ) فدلوه عليه فبكى وانزعج في نفسه وجاء إلى القبر وكان مغارة وقد وضع عليه حجر ، فأمر برفع الحجر فرفعوه ( ( ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال : أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لي ، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي ، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف ليؤمنوا أنك أرسلتني ) ) ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم ( ( لعازر ! هلم خارجا ) ) فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطتان بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل ، فقال لهم يسوع : حلوه ودعوه يذهب . انتهى . ملخصا من الفصل 11 من إنجيل يوحنا .

                          [ ص: 131 ] أتدري أيها القارئ ما يقول منكرو العجائب والآيات في هذه القصة على تقدير صحة الرواية ؟ إنني سمعت طبيبا سوريا بروتستنتيا يقول : إنها كانت بتواطؤ بينه وبين حبيبتيه وحبيبه لإقناع اليهود بنبوته . وحاشاه عليه السلام . وإنما ننقل هذا لنبين أن النصارى لا يستطيعون إقامة البرهان في هذا العصر على نبوة المسيح فضلا عن ألوهيته بهذه الروايات التي تدل على النبوة وتنفي الألوهية ، كما فهم الذين شاهدوها ; لأنه ليس لها أسانيد متصلة إلى كاتبيها ، ولا دليل على عصمتهم من الخطأ في روايتها ، دع قول المنكرين باحتمال الاحتيال والتلبيس أو المصادقة فيها ، أو عدهم إياها على تقدير ثبوتها من فلتات الطبيعة .

                          وإذا كان أعظمها وهو إحياء الميت يحتمل ما ذكروا من التأويل فما القول في شفاء المرضى وإخراج الشياطين الذي يكثر وقوع مثله في كل زمان ، والأطباء كلهم يقولون إن ما يدعي العوام من دخول الشياطين في أجساد الناس ما هو إلا أمراض عصبية تشفى بالمعالجة أو بالوهم والاعتقاد ودونها مسألة الخمر والسمك ويبس التينة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية