الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( الثالثة : بيناتهم وآياتهم ) ما من نبي دعا قومه إلى الله إلا وجاءهم ببينة على صدقه في دعواه من حجة عقلية وآية كونية ، وكانت تشتبه على عامتهم الآيات الكونية بالسحر ; لأنهم يرون أن كلا منهما أمر غريب لا يعرفون سببه ، ويرونه من الدجالين والمرتزقة ، [ ص: 173 ] وكان المهتدون هم الذين يميزون بين الفريقين بالبينات العقلية ، والهداية الخلقية والعملية ، وكذلك الجاحدون المعاندون منهم .

                          بينت لنا هذه السورة أن كل رسول كان يحتج ويستدل على قومه بأنه على بينة من ربه ، وليس فيها ولا في غيرها أن كلا منهم تحدى قومه بآية كونية كما تحدى موسى فرعون وملأه ، وكما تحدى محمد قومه ، والإنس والجن معهم ، ومن استطاعوا ليظاهروهم على معارضة القرآن بمثله في مزايا إعجازه العامة الظاهرة في كل سورة منه ، ومزايا إعجازه المكررة في عشر سور مما ادعوا افتراءه منه ، ثم إنه بعد التحدي بعشر مثله مفتريات في الآية ( 13 ) من هذه السورة ، وبعد تقرير عجزهم عن المعارضة في الآية ( 14 ) قال في تقرير الحجة العقلية والنقلية التاريخية : - أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة 17 .

                          ثم قال في حجة نوح : - قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم - 28 الآية ، وحكى عن قوم هود أنهم - قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين - 53 لكنه كذبهم بعد ذلك بقوله عز وجل : - وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله - 59 الآية .

                          ثم قال في قصة صالح : - قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة - 63 الآية ، وذكر بعدها آيته الكونية التي أنذرهم العذاب بها فقال : - ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية - 64 إلخ . ثم قال في قصة شعيب : - قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا - 88 الآية ، ثم قال : - ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه - 96 و 97 الآية .

                          ومن المعلوم القطعي أن هذه الآيات وغيرها ليست من أعمال أولئك الرسل وكسبهم ، ولا في حدود استطاعتهم ، فآية خاتمهم الكبرى - وهي كلام الله عز وجل - وكان - صلى الله عليه وسلم - عاجزا عن الإتيان بسورة مثله بعد النبوة ، فعجزه قبلها أظهر ، وناقة صالح لم تكن من خلقه ولا كسبه ، ولما رأى موسى آيته الكبرى وهي العصا إذ ألقاها فإذا هي حية تسعى ، ولى مدبرا خائفا منها ، كما ترى في سورتي النمل والقصص .

                          وأما آيات عيسى التي أسند إليه فعلها فقد صرح القرآن بأنها كانت بإذن الله - تعالى - وإرادته ، وفي رسائل الأناجيل المتداولة أنه كان يدعو الله - تعالى - ويتضرع إليه بطلبها ليؤمنوا به ويعلموا أنه يستجيب له ، وقد قالاليهود إنها سحر مبين .

                          وأهل هذا العصر يوردون عليها شبهات من غرائب صوفية الهنود وغيرهم من الروحانيين ، كما بيناه في كتاب الوحي [ ص: 174 ] المحمدي ، وبينا أن آيات موسى كانت أعظم منها مظهرا ، وأدل على قدرة الله - تعالى - وتأييده له ، لإيمان أعلم علماء السحر بها ، ولم تكن فتنة للناس بموسى كما كانت تلك فتنة للناس بعيسى إذ اتخذوه بها إلها ، فالذين فتنوا وضلوا بخوارق العادات الصورية من الأولين والآخرين ، أضعاف أضعاف الذين اهتدوا بالحقيقي منها ، فإن الملايين من مدعي اتباع عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - يتبعون الدجالين المدعين للتصرف في الكون بأنفسهم أو باستخدامهم للجن ، وسدنة قبور الأولياء والقديسين الذين يدعون التصرف لمن تنسب إليهم ، وكل هؤلاء يجهلون حقيقة الإيمان الذي بعث الله به جميع رسله ووظيفة رسالاتهم .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية