الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 267 ] السابعة : في الاختلاف ، وفيه صور ، إحداها : ادعى عبد على سيده أنك كاتبتني ، فأنكر صدق السيد بيمينه ، وكذا لو ادعى على وارثه بعده ، أن مورثك كاتبني ، صدق الوارث ، ويحلف على نفي العلم .

                                                                                                                                                                        ولو قال السيد : كاتبتك وأنا مجنون ، أو محجور علي ، قال العبد : بل كنت كاملا ، فإن عرف للسيد جنون أو حجر صدق ، وإلا فيصدق العبد .

                                                                                                                                                                        ولو قال السيد : كاتبتك ، فأنكر العبد ، ففي كتاب ابن كج أنه [ إن ] لم يعترف بأداء المال عاد رقيقا ، ويكون إنكاره تعجيزا منه .

                                                                                                                                                                        وإن قال السيد : وأديت المال وعتقت ، فهو حر بإقراره ، فإن قال العبد : الذي أديت إليك ليس لي ، بل وديعة لزيد ، وادعاه زيد صدق ، أما إذا اختلفا في أداء المال ، فالمصدق السيد ، فإن أراد المكاتب إقامة بينة بالأداء ، أمهل ثلاثة أيام .

                                                                                                                                                                        وهل هذا الإمهال واجب ، أم مستحب ؟ وجهان .

                                                                                                                                                                        ولا تثبت الكتابة بشاهد وامرأتين ، ولا بشاهد ويمين . ويشترط في الشهادة التعرض للتنجيم ، وقدر كل نجم ووقته ، ويثبت الأداء بشاهد وامرأتين ، وبشاهد ويمين .

                                                                                                                                                                        وقيل : لا يثبت النجم الأخير إلا بعدلين ؛ لتضمنه العتق ، والصحيح الأول .

                                                                                                                                                                        وحكى الروياني في " الكافي " أنه لو أمهل ثلاثة أيام ليأتي ببينة الأداء ، فأحضر شاهدا بعد الثلاثة ، واستنظر ليأتي بالثاني أنظر ثلاثة أخرى .

                                                                                                                                                                        الثانية : اختلفا في قدر النجوم ، أو عددها ، أو جنسها ، أو صفتها ، أو قدر الأجل ، ولا بينة تحالفا ، وكيفيته كما سبق في البيع ، فإذا تحالفا نظر إن لم يحصل العتق باتفاقهما ، بأن لم يقبض جميع [ ص: 268 ] [ ما يدعيه ] ، أو قبض غير الجنس الذي يدعيه ، فهل تنفسخ الكتابة ، أم يفسخها الحاكم إن لم يتراضيا على شيء ؟ فيه ما سبق في البيع .

                                                                                                                                                                        وإن حصل العتق باتفاقهما ، بأن قبض ما يدعيه بتمامه ، وزعم المكاتب أن الزيادة على القدر الذي اعترف به أودعها عنده استمر نفوذه ، ويتراجعان ، فيرجع السيد بقيمة المكاتب ، ويرجع هو بما أدى ، وقد يقع في التقاص .

                                                                                                                                                                        ولو قال السيد : كاتبتك على نجم ، فقال : بل على نجمين ، قال البغوي : صدق السيد بيمينه ؛ لأنه يدعي فساد العقد .

                                                                                                                                                                        قلت : ينبغي أن يكون على الخلاف فيما لو اختلف المتبايعان في مفسد للبيع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فلو أقام العبد بينة ، بأنه كاتبه في رمضان سنة كذا على ألف ، وأقام السيد بينة أنه كاتبه في شوال تلك السنة على ألفين ، فإن اتفقا أن الكتابة متحدة ، فكل بينة تكذب الأخرى ، فيتساقطان ويتحالفان .

                                                                                                                                                                        وإن لم يتفقا على الاتحاد ، فالبينة المتأخرة أولى ؛ لأنه ربما كاتب في رمضان ثم ارتفعت تلك الكتابة ، وأحدث أخرى .

                                                                                                                                                                        الثالثة : ولد المكاتب من زوجته المعتقة حر ، وولاؤه لمواليها ، فإن عتق المكاتب ، انجر الولاء إلى مواليه ، كما سبق في الولاء .

                                                                                                                                                                        فلو مات المكاتب ، فاختلف مولاه ومولى أم أولاده ، فقال مولاه : عتق بأداء النجوم ، ثم مات وجر ولاء أولاده إلي ، وأنكر مواليها ، فهم المصدقون باليمين ، وعليه البينة .

                                                                                                                                                                        وهل يكفيه شاهد ويمين ، أو شاهد [ ص: 269 ] وامرأتان ، أم يحتاج إلى شاهدين ؟ فيه الخلاف في النجم الأخير ويدفع مال المكاتب إلى ورثته الأحرار ؛ لإقرار السيد أنه مات حرا .

                                                                                                                                                                        ولو أقر السيد في حياة المكاتب بأنه أدى النجوم عتق ، وجر إليه ولاء ولده .

                                                                                                                                                                        الرابعة : كاتب عبدين في صفقتين ، أو صفقة ، وجوزناها ، ثم أقر أنه استوفى نجوم أحدهما ، أو أنه أبرأ أحدهما أمر بالبيان ، فإن قال : نسيته أمر بالتذكر ، ولا يقرع بينهما ما دام حيا ، وقيل : يقرع ، والصحيح الأول ، فإن بين أحدهما فصدقه الآخر فذاك ، وإن كذبه وقال : بل استوفيت مني أو أبرأتني فله تحليف السيد ، فإن حلف بقيت كتابته إلى أداء النجوم ، وإن نكل حلف المكذب ، وعتق أيضا .

                                                                                                                                                                        وإن لم يتذكر حلف لهما إذا ادعاه . وإذا حلف ، فوجهان أحدهما : يبقيان على الكتابة ، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء النجوم .

                                                                                                                                                                        والثاني : تتحول دعوى المكاتبين ، فإن حلفا على الأداء ، أو نكلا بقيا على الكتابة ، وإن حلف أحدهما ، ونكل الآخر حكم بعتق الحالف ، وبقي الآخر مكاتبا .

                                                                                                                                                                        ولو بين أحدهما ، فقال الآخر : تؤتيني بالإقرار الذي اتهمته ولم يقل : استوفيت مني أو أبرأتني ، قال الإمام : فالأصح أن دعواه مردودة ؛ لأنه لا يدعي حقا ثابتا ، وإنما يدعي إخبارا قد يصدق فيه وقد يكذب ، وقد سبق نظير هذا في الدعاوى .

                                                                                                                                                                        ولو مات السيد قبل البيان ، فهل يقوم الوارث مقامه في البيان ؟ قولان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : لا بل يقرع فمن خرجت قرعته ، فهو حر ، وعلى الآخر أداء النجوم ، وله تحليف الوارث على نفي العلم .

                                                                                                                                                                        وأظهرهما : يقوم مقامه ولا قرعة ، فإذا بين فالحكم كما سبق في بيان المورث إلا أن الوارث يحلف على نفي العلم ، فإن قال الوارث : لا أعلم المؤدي ، فلكل واحد تحليفه أنه لا يعلمه أدى ، فإذا حلف لهما ، [ ص: 270 ] فوجهان : أحدهما : يستوفي من كل واحد منهما ما عليه ، كما لو أقر بأن أحد غريميه أوفاه دينه ، ومات قبل البيان ، وحلف الوارث لكل واحد منهما ، فإنه يستوفي الدينين جميعا .

                                                                                                                                                                        وحكى ابن الصباغ توقف العتق على أداء كل واحد منهما جميع ما عليه ، ثم قال : وعندي أنه إن استوفى المالان ، فقالا : نؤدي ما على أحدنا ، أو اختلفا ، فقالا : نؤدي الأكثر ليعتق ، كان لهما ذلك ؛ لأنهما بأدائه قد أديا جميع ما عليهما .

                                                                                                                                                                        والوجه الثاني وهو الأصح ، وبه قال القاضي أبو الطيب : يقرع بينهما ، هكذا رتب الجمهور المسألة .

                                                                                                                                                                        وقال الإمام والغزالي : لكل واحد من المكاتبين أن يدعي على الوارث توفية النجوم إلى المورث أو إبراءه له ، وأن يحلفه على نفي العلم ، فإذا حلف هل يقرع ؟ قولان .

                                                                                                                                                                        أظهرهما : نعم ، فمن خرجت له القرعة ، فهو حر ، وعلى الآخر أداء النجوم .

                                                                                                                                                                        وإن قلنا : لا يقرع ، قال الإمام : الذي يقتضيه القياس التوقف إلى الاصطلاح ، أو البيان ، أو بينة ، وينقدح أن يقال : للوارث تعجيزهما ، فإنهما ممتنعان من الأداء وأحدهما مكاتب ، وحينئذ فأحدهما حر ، والآخر رقيق ، فيقرع ، والمذهب ما قدمناه عن الجمهور .

                                                                                                                                                                        ولو أقر باستيفاء بعض نجوم أحدهما ، ولم يبين ، فلا قرعة ؛ لأن العتق لا يحصل به ، بل يوقف الأمر . ولو ادعى أحد المكاتبين على الوارث الأداء أو الإبراء ، فأنكر حصل بإنكاره الإقرار للآخر ، قاله الصيدلاني .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الذي قاله الصيدلاني فيما إذا قال في إنكاره : لست المؤدي . أما إذا قال : لا أعلم ونحوه ، فليس مقرا للآخر بلا شك والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 271 ] فروع

                                                                                                                                                                        من " التهذيب " لو قال السيد : استوفيت ، أو قال المكاتب : أليس قد أوفيتك ، فقال : بلى ، ثم قال المكاتب : وفيتك الجميع .

                                                                                                                                                                        وقال السيد : البعض فالمصدق السيد ؛ لأن اللفظ يحتملهما جميعا . ولو وضع عن المكاتب شيئا من النجوم واختلفا ، فقال السيد : وضعت من النجم الأول ، وقال المكاتب : من الأخير ، أو قال : وضعت بعض النجوم ، فقال المكاتب : بل كلها ، صدق السيد بيمينه .

                                                                                                                                                                        ولو كاتبه على ألف درهم ، فوضع عنه عشرة دنانير لم يصح ، فإن قال : أردت قيمة عشرة دنانير من الدراهم صح .

                                                                                                                                                                        فلو قال المكاتب : أردت المعنى الثاني ، فأنكر السيد ، صدق السيد .

                                                                                                                                                                        ولو وضع عنه من الدراهم ما يقابل عشرة دنانير فهو مجهول عندهما ، ففي صحته وجهان بناء على الخلاف فيما لو أوصى بزيادة على الثلث ، وأجاز الوارث وهو جاهل بالزيادة ففي وجه لا يصح ، ويحمل على أقل ما يتيقن .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية