الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو أن رجلا مات وترك ثلاثة إخوة له من أبيه ، وأمه [ ص: 192 ] فاقتسموا المال بينهم أثلاثا ثم أقر أحدهم بأخ للميت من أبيه وأمه فدفع إليه نصف ما في يده ثم أقر بأخ آخر ، وصدقه فيه أحد إخوته المعروفين ، وتكاذب المقر بهما فيما بينهما فإذا كان دفع نصف ما في يده إلى الأول بقضاء قاض أخذ منه الآخر خمس ما بقي في يده فضمه إلى الذي أقر به خاصة فاقتسماه نصفين .

وإن كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء قاض دفع إلى الثاني ربع ثلث جميع المال يضمه إلى ما في يد الذي أقر به فاقتسماه نصفين في قول أبي يوسف ، وقال محمد : إن كان دفع إلى الأول بقضاء قاض دفع إلى الثاني ثلث ما في يديه . وإن كان دفعه بغير قضاء قاض أخذ منه الآخر خمس ما بقي في يده فضمه إلى الذي أقر به خاصة فاقتسماه نصفين .

وإن كان دفع النصف إلى الأول بغير قضاء قاض دفع إلى الثاني ربع ثلث جميع المال فضمه إلى ما في يده الذي أقر به فاقتسماه نصفين في قول أبي يوسف ، وقال محمد رحمه الله إن كان دفع إلى الأول بقضاء قاض دفع إلى الثاني ثلث ما في يديه .

وإن كان دفعه بغير قضاء قاض دفع إلى الثاني خمس جميع المال فضمه إلى ما في يد الذي أقر به فاقتسماه نصفين وجه تخريج أبي يوسف أن المقر زعم أن حق الثاني في خمس المال إلا أن أحد إخوته المعروفين كذبه ، وصار هو مع ما أخذ كالمعدوم ، وإنما نعتبر القسمة بين الباقيين فمن حجته أن يقول للثاني إنما أقررت بأن لك ربع ما في أيدينا ، والذي في يد المصدق بك يصل إليك من جهته ، يبقى حقك فيما في يدي في سهم من أربعة ، وذلك ربع ثلث المال ، والباقي وهو ثلاثة بيني وبين المقر له الأول نصفان إلا أني دفعت إلى الأول زيادة على حقه بقضاء القاضي فلا يكون محسوبا علي ، وإنما يبقى ما في يده فأنت تضرب بسهم ، وأنا بسهم ونصف فانكسر بالإنصاف فأضعفه فيكون لي ثلاثة ، ولك سهمان ، فلهذا يأخذ منه خمسي ما في يده .

وإن كان دفعه بغير قضاء فما دفع إليه زيادة على حقه هو محسوب على الدافع فيدفع إلى الثاني جميع ما أقر له به ، وذلك ربع ثلث جميع المال ثم يضم ذلك إلى ما في يد المصدق به فيقتسمانه نصفين لتصادقهما على أن حقهما في التركة سواء ، ووجه تخريج محمد أن المقر يقول للمقر له حقك في سهم ، ولكن نصف ذلك السهم في يدي ونصفه في يد المصدق لك ، وهو يصل إليك من جهته فأنت تضرب فيما في يدي بنصف سهم ، وأنا بسهم ، والمقر له الأول بسهم فيكون الثلث الذي في يدي بيننا أخماسا لك منه الخمس ، فإن كان دفع إلى الأول زيادة على حقه بقضاء القاضي لم يكن ذلك محسوبا عليه ، وإنما يبقى ما في يده يضرب فيه الثاني بسهم ، والمقر بسهمين فلهذا يأخذ ثلث ما بقي في يده [ ص: 193 ] وإن كان دفعه بغير قضاء كان ذلك محسوبا عليه فيدفع إلى الثاني كمال حقه مما في يده ، وهو خمس جميع المال فيضمه إلى ما في يد المصدق به فيقتسمانه نصفين لتصادقهما على أن حقهما سواء ، وإنما خرجا هذه المسألة على أن الذي كذب بهما مع ما أخذ صار في حكم المعدوم ، وهذا لأنه إنما أخذ ما أخذ بنسبه المعروف فلا يكون ذلك مضمونا على أحد سواء كان أخذه بقضاء قاض أم لا .

ولو كان المقر به الآخر أقر به الإخوة المعروفون جميعا فإن كان المقر بهما دفع النصف إلى الأول بقضاء قاض دفع إلى الثاني ثلث ما بقي في يده . وإن كان دفعه إليه بغير قضاء قاض دفع إليه خمس ثلث جميع المال فضمه إلى ما في يد الأخوين المعروفين فاقتسموها أثلاثا ; لأن المقر يقول للثاني حقك في خمس جميع المال ، والذي في يد أخوي لك بيني وبين الأول لي سهمان ، وله كذلك فإن دفعك بغير قضاء فما دفعه زيادة على حقه محسوب عليه فيدفع إلى الثاني كمال حقه مما في يده ، وهو خمس ثلث جميع المال فيضمه إلى ما في يد الأخوين المعروفين ; لأنهم تصادقوا على أن حقهم سواء فيقتسمون ذلك أثلاثا ، ولم يذكر قول محمد إلا في بعض النسخ فإنه قال على مذهبه التخريج بطريق السهام فالمقر له يقول للثاني حقك في سهم ، وحقي في سهم ، وحق الأول في سهم إلا أن السهم الذي حقك ثلثه في يدي ، وثلثاه في يد كل واحد من الآخرين ، وهما مقران بك فإنما تضرب فيما في يدي بثلث سهم ، وأنا بسهم ، والأول بسهم فإذا جعلت كل ثلث سهما كانت القسمة أسباعا للثاني سبع ما في يده فإذا كان دفع إلى الأول بقضاء لم يغرم شيئا من ذلك ، فالمقر يضرب فيما في يده بثلاثة ، والثاني بسهم فيقسم ما في يده بينهما أرباعا . وإن كان دفعه بغير قضاء كان ذلك محسوبا عليه فيأخذ الثاني منه مقدار حقه مما في يده ، وهو ثلث جميع المال فيضمه إلى ما في يد المعروفين فيقتسمونه بينهم أثلاثا .

التالي السابق


الخدمات العلمية