الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                        صفحة جزء
                                                        5230 - فإن قال قائل : فقد روي أيضا عن سعد بن أبي وقاص في هذا ، فذكر ما حدثنا يونس ، قال : أخبرنا [ ص: 243 ] سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن رجل من قومه - يقال له : شبر بن علقمة - قال : بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته ، فبلغ سلبه اثني عشر ألفا ، فنفلنيه سعد بن أبي وقاص .

                                                        قيل له : قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك ، والقتال لم يرتفع ، فإن كان ذلك كذلك ، فهذا قولنا أيضا .

                                                        وإن كان إنما نفله بعد ارتفاع القتال ، فقد يحتمل أن يكون جعل ذلك من الخمس .

                                                        فإن كان جعله من غير الخمس ، فهذا فيه الذي ذكرنا من الاختلاف ، فلم يكن في ذلك الحديث لأحد الفريقين حجة ، إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه . ووجب بعد ذلك أن يكشف وجه هذا الباب ، لنعلم كيف حكمه من طريق النظر ، فكان الأصل في ذلك أن الإمام إذا قال في حال القتال : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) أن ذلك جائز .

                                                        ولو قال : ( من قتل قتيلا فله كذا وكذا درهما ) كان ذلك جائزا أيضا .

                                                        ولو قال ( من قتل قتيلا ، فله عشر ما أصبنا ) لم يجز ذلك ؛ لأن هذا لو جاز ، جاز أن تكون الغنيمة كلها للمقاتلين ، فيبطل حق الله تعالى فيها من الخمس .

                                                        فكان النفل لا يكون قبل القتال ، إلا فيما أصابه المنفل بسيفه ، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون فيما حكمه حكم الإجارة فيجوز ذلك ، كما تجوز الإجارة كقوله : ( من قتل قتيلا فله عشرة دراهم ) . فذلك جائز .

                                                        فلما كان ما ذكرنا كذلك ، ولم يجز النفل إلا فيما أصابه المنفل بسيفه ، أو فيما جعل له لعمله ، ولم يحز أن ينفل مما أصابه غيره ، كان النظر على ذلك أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره ، ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة ، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو ، فكان ذلك قبل أن ينفله الإمام إياه ، قد وجب حق الله تعالى في خمسه ، وحق المقاتلة في أربعة أخماسه .

                                                        فلو أجزنا النفل إذا لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه ، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المنفل ، من ملك العدو .

                                                        وأما ما قد زال عن ملك العدو قبل ذلك ، وصار في ملك المسلمين ، فلا نفل في ذلك ؛ لأنه من مال المسلمين .

                                                        فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة على ما قد فصلنا في هذا الباب ، وبينا . وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ومحمد ، رحمة الله عليهم أجمعين .

                                                        التالي السابق


                                                        الخدمات العلمية