الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الأمر الثالث : صلاحية المعقود عليه ، فيعتبر في المبيع لصحة بيعه ، خمسة شروط :

                                                                                                                                                                        أحدها : الطهارة ، فالنجس ضربان ، نجس العين ، ونجس بعارض . فالأول : لا يصح بيعه ، فمنه الكلب ، والخنزير ، وما تولد من أحدهما ، وسواء الكلب المعلم وغيره ، ومنه الميتة ، وسرجين جميع البهائم ، والبول ، ويجوز بيع الفيلج وفي باطنه الدود الميت ؛ لأن بقاءه من مصالحه ، كالنجاسة في جوف الحيوان .

                                                                                                                                                                        قلت : الفيلج - بالفاء - وهو القز . ويجوز بيعه وفيه الدود ، سواء كان ميتا أو حيا ، وسواء باعه وزنا ، أو جزافا ، صرح به القاضي حسين في فتاويه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وفي بيع بزر القز وفأرة المسك ، وجهان بناء على طهارتهما .

                                                                                                                                                                        الضرب الثاني : قسمان :

                                                                                                                                                                        أحدهما : متنجس يمكن تطهيره ، كالثوب ، [ ص: 351 ] والخشبة ، والآجر ، فيجوز بيعها ؛ لأن جوهرها طاهر . فإن استتر شيء من ذلك بالنجاسة الواردة ، خرج على بيع الغائب . والثاني : ما لا يمكن تطهيره ، كالخل ، واللبن ، والدبس ، إذا تنجست ، فلا يجوز بيعها . وأما الدهن ، فإن كان نجس العين ، كودك الميتة ، لم يصح بيعه بحال . وإن نجس بعارض ، فهل يمكن تطهيره ؟ وجهان . أصحهما : لا . فعلى هذا ، لا يصح بيعه كالبول . والثاني : يمكن . فعلى هذا ، في صحة بيعه وجهان . أصحهما : لا يصح ، هذا ترتيب الأصحاب . وقيل : إن قلنا : يمكن تطهيره ، جاز بيعه ، وإلا ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الترتيب غلط ظاهر ، وإن كان قد جزم به في الوسيط . وكيف يصح بيع ما لا يمكن تطهيره ؟ قال المتولي : في بيع الصبغ النجس طريقان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : كالزيت . والثاني : لا يصح قطعا ؛ لأنه لا يمكن تطهيره ، وإنما يصبغ به الثوب ثم يغسل . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وفي بيع الماء النجس ، وجهان ، كالدهن إذا قلنا : يمكن طهارته ؛ لأن تطهير الماء ممكن بالمكاثرة . وأشار بعضهم إلى الجزم بالمنع ، وقال : إنه ليس بتطهير ، بل يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة ، كالخمر تتخلل . ويجوز نقل الدهن النجس إلى الغير بالوصية ، كالكلب . وأما هبته والصدقة به ، فعن القاضي أبي الطيب : منعهما . ويشبه أن يكون فيهما ما في هبة الكلب من الخلاف .

                                                                                                                                                                        قلت : ينبغي أن يقطع بصحة الصدقة به للاستصباح ونحوه . وقد جزم المتولي ، بأنه يجوز نقل اليد فيه بالوصية وغيرها . قال الشافعي - رضي الله عنه - في " المختصر " : لا يجوز اقتناء الكلب إلا لصيد ، أو ماشية ، أو زرع ، وما في معناها ، هذا نصه . واتفق الأصحاب على جواز اقتنائه لهذه الثلاثة ، وعلى اقتنائه لتعليم الصيد ونحوه ، [ ص: 352 ] والأصح : جواز اقتنائه لحفظ الدور والدروب وتربية الجرو لذلك ، وتحريم اقتنائه قبل شراء الماشية والزرع . وكذا كلب الصيد لمن لا يصيد . ويجوز اقتناء السرجين ، وتربية الزرع به ، لكن يكره . واقتناء الخمر مذكور في كتاب الرهن . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية