الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ثم نقول : للتعديل شرائط : بعضها يرجع إلى نفس العدل ، وبعضها يرجع إلى فعل [ ص: 11 ] التعديل .

                                                                                                                                أما الأول فأنواع : منها العقل ، ومنها البلوغ ; ومنها الإسلام ، فلا يجوز تعديل المجنون والصبي والكافر ; لأن التزكية كانت تجري مجرى الشهادة ، فهؤلاء ليسوا من أهل الشهادة ، فلا يكونون من أهل التزكية ، وإن كانت من باب الإخبار عن الديانات فخبرهم في الديانات غير مقبول ; لأنه لا بد فيه من العدالة ، ولا عدالة لهؤلاء ، ومنها العدالة ; لأن من لا يكون عدلا في نفسه كيف يعدل غيره ؟ وأما العدد فليس بشرط الجواز عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكنه شرط الفضيلة والكمال ، وعند محمد شرط الجواز .

                                                                                                                                وجه قوله أن التزكية في معنى الشهادة ; لأنه خبر عن أمر غاب عن علم القاضي ، وهذا معنى الشهادة ، فيشترط لها نصاب الشهادة ، ولهما أن التزكية ليست بشهادة ، بدليل أنه لا يشترط فيه لفظ الشهادة ، فلا يلزم فيها العدد ، على أن شرط العدد في الشهادات ثبت نصا غير معقول المعنى فيما يشترط فيه لفظ الشهادة ، فلا يلزم مراعاة العدد فيما وراءه ، وعلى هذا الخلاف : العدد في الترجمان ، وحامل المنشور ، أنه ليس بشرط عندهما ، وعنده شرط ، وعلى هذا الخلاف : حرية المعدل ، وبصره ، وسلامته عن حد القذف ، أنه ليس بشرط عندهما ، فتصح تزكية الأعمى ، والعبد ، والمحدود في القذف ، وعند محمد شرط ، فلا تصح تزكيتهم ; لأن التزكية شهادة عنده ، فيشترط له ما يشترط لسائر الشهادات ، وعندهما ليست بشهادة ، فلا يراعى فيها شرائط الشهادة ; لما قلنا .

                                                                                                                                وأما الذكورة فليست بشرط لجواز التزكية ، فتجوز تزكية المرأة إذا كانت امرأة تخرج لحوائجها ، وتخالط الناس فتعرف أحوالهم ، وهذا ظاهر الرواية على أصلها ; لأن هذا من باب الإخبار عن الديانات ، وهي من أهله .

                                                                                                                                وأما عند محمد فتقبل تزكيتها فيما تقبل شهادتها ، فتصح تزكيتها فيما يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ، وتجوز تزكية الولد للوالد ، والوالد للولد ، وكل ذي رحم محرم منه ; لأنه لا حق للعدل في التعديل ، إنما هو حق المدعي فلا يوجب تهمة فيه ، وهذا يشكل على أصل محمد ; لأنه يجري التعديل مجرى الشهادة ، وشهادة الوالد لولده وعكسه لا تقبل ، ومنها أن لا يكون المزكى مشهودا عليه ، فإن كان لم تعتبر تزكيته ، ويجب السؤال ، وهذا تفريع على مذهب أبي يوسف ومحمد ، فيما سوى الحدود والقصاص ، بناء على أن المسألة ما وجبت حقا للمشهود عليه عندهما ، وإنما وجبت حقا للشرع .

                                                                                                                                وحق الشرع لا يتأدى بتعديله ; لأن في زعم المدعي والشهود أنه كاذب في إنكاره ، فلا يصح تعديله ، وعند أبي حنيفة السؤال فيما سوى الحدود والقصاص حق المشهود عليه ، وحق الإنسان لا يطلب إلا بطلبه ، فما لم يطعن لا يتحقق الطلب ، فلا تجب المسألة وذكر في كتاب التزكية أن المشهود عليه إذا قال للشاهد : هو عدل لا يكتفى به ما لم ينضم إليه آخر ، على قول محمد ، فصار عن محمد روايتان : في رواية : لا تعتبر أصلا وفي رواية : يقبل تعديله إذا انضم إليه غيره .

                                                                                                                                وأما الثاني الذي يرجع إلى فعل التعديل - فهو أن يقول المعدل في التعديل : هو عدل جائز الشهادة ، حتى لو قال : هو عدل ، ولم يقل : جائز الشهادة لا يقبل تعديله ; لجواز أن يكون الإنسان عدلا في نفسه ، ولا تجوز شهادته ، كالمحدود في القذف إذا تاب وصلح ، والعبد الصالح ، وكذلك إذا قال في الرد : هو ليس بعدل لا يرد ما لم يقل : هو غير جائز الشهادة ; لأن غير العدل - وهو الفاسق - تجوز شهادته إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته ، ولو قضى به القاضي ينفذ ، ومنها أن يسأل المعدل في السر أولا ، فإن وجده عدلا يعدله في العلانية أيضا ، ويجمع بين المزكى والشهود ، وبين المدعي ، والمدعى عليه ، في تعديل العلانية ، وإن لم يجده عدلا يقول للمدعي : زد في شهودك ولا يكشف عن حال المجروح سترا على المسلم ، ولا يكتفي بتعديل السر خوفا من الاحتيال والتزوير ، بأن يسمي غير العدل باسم العدل ، فكان الأدب هو التزكية في العلانية ، بعد التزكية في السر .

                                                                                                                                ولو اختلف المعدلان فعدله أحدهما ، وجرحه الآخر ، سأل القاضي غيرهما فإن عدله آخر أخذ بالتزكية ، وإن جرحه آخر أخذ بالجرح ; لأن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد بالقبول ; لأنه حجة مطلقة ، وإن انضم إلى كل واحد منهما رجل آخر فعدله اثنان وجرحه اثنان عمل بالجرح ; لأن الجارح يعتمد حقيقة الحال ، والمعدل يبني الأمر على الظاهر ; لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح ، ويكتم الفسق ، فكان قبول قول الجارح أولى كذلك لو جرحه اثنان وعدله ثلاثة ، أو أربعة ، أو أكثر يعمل بقول الجارح ; لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في باب الشهادة .

                                                                                                                                ومنها أن يجلس معه جماعة من أهل الفقه ، يشاورهم ويستعين برأيهم فيما يجهله [ ص: 12 ] من الأحكام ، وقد ندب الله - سبحانه - رسوله عليه الصلاة والسلام إلى المشاورة بقوله { وشاورهم في الأمر } مع انفتاح باب الوحي ، فغيره أولى وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : { ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مشاورة لأصحابه منه } .

                                                                                                                                وروي أنه عليه الصلاة والسلام { كان يقول لسيدنا أبي بكر ، وسيدنا عمر : رضي الله تعالى عنهما قولا ، فإني فيما لم يوح إلي مثلكما } ; ولأن المشاورة في طلب الحق من باب المجاهدة في الله - عز وجل - فيكون سببا للوصول إلى سبيل الرشاد ، قال الله - عز وجل - : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } .

                                                                                                                                وينبغي أن يجلس معه من يوثق بدينه وأمانته ; لئلا يضن بما عنده من الحق والصواب ، بل يهديه إلى ذلك إذا رفع إليه ، ولا ينبغي أن يشاورهم بحضرة الناس ; لأن ذلك يذهب بمهابة المجلس ، والناس يتهمونه بالجهل ، ولكن يقيم الناس عن المجلس ، ثم يشاورهم ، أو يكتب في رقعة فيدفع إليهم ، أو يكلمهم بلغة لا يفهمها الخصمان ، هذا إذا كان القاضي لا يدخله حصر بإجلاسهم عنده ، ولا يعجز عن الكلام بين أيديهم ، فإن كان لا يجلسهم ، فإن أشكل عليه شيء من أحكام الحوادث ; بعث إليهم وسألهم ، ومنه أن يكون له جلواز - وهو المسمى بصاحب المجلس في عرف ديارنا - يقوم على رأس القاضي ; لتهذيب المجلس ، وبيده سوط يؤدب به المنافق ، وينذر به المؤمن ، وقد روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسك بيده سوطا ، ينذر به المؤمن ، ويؤدب به المنافق } .

                                                                                                                                وكان سيدنا أبو بكر يمسك سوطا ، وسيدنا عمر رضي الله عنه اتخذ درة ومنها أن يكون له أعوان ، يستحضرون الخصوم ، ويقومون بين يديه إجلالا له ; ليكون مجلسا مهيبا ، ويذعن المتمرد للحق ، وهذا في زماننا ، فأما في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فما كان تقع الحاجة إلى أمثال ذلك ; لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمراء والقضاة بعين التبجيل والتعظيم ، ويخافونهم وينقادون للحق بدون ذلك فقد روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقضي في المسجد ، فإذا فرغ استلقى على قفاه وتوسد بالحصى ، وما كان ينقص ذلك من حرمته . وروي أنه لبس قميصا ، فازدادت أكمامه عن أصابعه ; فدعا بالشفرة فقطعهما ، وكان لا يكفهما أياما ، وكانت الأطراف متعلقة منها ، والناس يهابونه غاية المهابة .

                                                                                                                                فأما اليوم فقد فسد الزمان ، وتغير الناس ; فهان العلم وأهله ، فوقعت الحاجة إلى هذه التكليفات ; للتوسل إلى إحياء الحق ، وإنصاف المظلوم من الظالم ومنها أن يكون له ترجمان ; لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضي لغته ، من المدعي ، والمدعى عليه ، والشهود ، والكلام في عدد الترجمان وصفاته على الاتفاق والاختلاف ، كالكلام في عدد المزكى وصفاته كما تقدم ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                ومنها أن يتخذ كاتبا ; لأنه يحتاج إلى محافظة الدعاوى والبينات والإقرارات لا يمكنه حفظها ، فلا بد من الكتابة ، وقد يشق عليه أن يكتب بنفسه فيحتاج إلى كاتب يستعين به ، وينبغي أن يكون عفيفا صالحا من أهل الشهادة ، وله معرفة بالفقه ، أما العفة والصلاح ; فلأن هذا من باب الأمانة ، والأمانة لا يؤديها إلا العفيف الصالح .

                                                                                                                                وأما أهلية الشهادة ; فلأن القاضي قد يحتاج إلى شهادته .

                                                                                                                                وأما معرفته بالفقه ; فلأنه يحتاج إلى الاختصار والحذف من كلام الخصمين ، والنقل من لغة ، ولا يقدر على ذلك إلا من له معرفة بالفقه ، فإن لم يكن فقيها كتب كلام الخصمين كما سمعه ، ولا يتصرف فيه بالزيادة والنقصان ; لئلا يوجب حقا لم يجب ، ولا يسقط حقا واجبا ; لأن تصرف غير الفقيه بتفسير الكلام لا يخلو عن ذلك .

                                                                                                                                وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى ما يكتب وما يصنع ، فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط ، ثم في عرف بلادنا يقدم كتابة الدعوى على الدعوى ، فيكتب دعوى المدعي ، ويترك موضع التاريخ بياضا ; لجواز أن تتخلف الدعوى عن وقت الكتابة ، ويترك موضع الجواب أيضا بياضا ; لأنه لا يدري أن المدعى عليه يقر أو ينكر ، ويكتب أسماء الشهود - إن كان للمدعي شهود - ويترك بين كل شاهدين بياضا ; ليكتب القاضي التاريخ ، وجواب الخصم ، وشهادة الشهود بنفسه ، ثم يطوي الكاتب الكتاب ويختمه ، ثم يكتب على ظهره : خصومة فلان بن فلان مع فلان بن فلان ، في شهر كذا ، في سنة كذا ، ويجعله في قمطرة ، وينبغي أن يجعل لخصومات كل شهر قمطرا على حدة ; ليكون أبصر بذلك ، ثم يكتب القاضي في ذلك الشهر أسماء الشهود بنفسه على بطاقة ، أو يستكتب الكتاب بين يديه ، فيبعثها إلى المعدل سرا - وهي المسماة بالمستورة في عرف ديارنا - والأفضل أن [ ص: 13 ] يبعث على يدي عدلين ، وإن بعث على يدي عدل فهو على الاختلاف الذي ذكرنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                ( ومنها ) أن يقدم الخصوم على مراتبهم في الحضور الأول فالأول ; لقوله عليه الصلاة والسلام : { المباح لمن سبق إليه } وإن اشتبه عليه حالهم ; استعمل القرعة ، فقدم من خرجت قرعته ، إلا الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر إليه ، أو خاصم بعضهم بعضا ، أو خاصمهم بعض أهل المصر ، فإنه يقدمهم في الخصومة على أهل المصر ; لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال : قدم الغريب ، فإنك إذا لم ترفع به رأسا ذهب وضاع حقه ، فتكون أنت الذي ضيعته ندب رضي الله عنه إلى تقديم الغريب ، ونبه على المعنى ; لأنه لا يمكنه الانتظار ، فكان تأخيره في الخصومة تضييعا لحقه ، إلا إذا كانوا كثيرا ، بحيث يشتغل القاضي عن أهل المصر فيخلطهم بأهل المصر ; لأن تقديمهم يضر بأهل المصر ، وكذا تقديم صاحب الشهود على غيره ; لأن إكرام الشهود واجب .

                                                                                                                                قال عليه الصلاة والسلام : { أكرموا الشهود ، فإن الله يحي بهم الحقوق } وليس من الإكرام حبسهم على باب القاضي ، وهذا إذا كان واحدا ، فإن كانوا كثيرا أقرع بينهم وينبغي أن يقدم الرجال على حدة ، والنساء على حدة ; لما في الخلط من خوف الفتنة ، ولو رأى أن يجعل لهن يوما على حدة ; لكثرة الخصوم فعل ; لأن إفرادهن بيوم أستر لهن ومنها أن لا يتعب نفسه في طول الجلوس ; لأنه يحتاج إلى النظر في الحجج ، وبطول الجلوس يختل النظر فيها ، فلا ينبغي أن يفعل ذلك ، ويكفي الجلوس طرفي النهار ، وقدر ما لا يفتر عن النظر في الحجج ، وإذا تقدم إليه الخصمان هل يسأل المدعي عن دعواه ؟ ذكر في أدب القاضي أنه يسأل ، وذكر في الزيادات أنه لا يسأل وكذا إذا ادعى دعوى صحيحة هل يسأل المدعى عليه عن دعوى خصمه ؟ ذكر في آداب القاضي أنه يسأل ، وذكر في الزيادات أنه لا يسأل ، حتى يقول له المدعي : سله عن جواب دعواي .

                                                                                                                                وجه ما ذكر في الزيادات أن السؤال عن الدعوى إنشاء الخصومة ، والقاضي لا ينشئ الخصومة وجه ما ذكر في الكتاب أن من الجائز أن أحد الخصمين يلحقه مهابة مجلس القضاء ; فيعجز عن البيان دون سؤال القاضي ، فيسأل عن دعواه ومنها أن المدعي إذا أقام البينة ، فادعى المدعى عليه الدفع وقال : لي بينة حاضرة أمهله زمانا ; لقول سيدنا عمر رضي الله عنه في كتاب السياسة : اجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه وأراد به مدعي الدفع ، ألا ترى أنه قال : وإن عجز استحللت عليه القضاء ; ولأنه لو لم يمهله ، وقضى ببينة المدعي ، ربما يحتاج إلى نقض قضائه ; لجواز أن يأتي بالدفع مؤخرا ، فهو من صيانة القضاء عن النقض ، ثم ذلك مفوض إلى رأي القاضي ، إن شاء أخر إلى آخر المجلس ، وإن شاء إلى الغد ، وإن شاء إلى بعد الغد ، ولا يزيد عليه ; لأن الحق قد توجه عليه ، فلا يسعه التأخير أكثر من ذلك ، وإن أدى ببينة غائبة لا يلتفت إليه ، بل يقضي للمدعي .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية