الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) النوع الثاني فالمكره على الكفر لا يحكم بكفره إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان بخلاف المكره على الإيمان أنه يحكم بإيمانه ، والفرق بينهما من وجهين : أحدهما أن الإيمان في الحقيقة تصديق والكفر في الحقيقة تكذيب ، وكل ذلك عمل القلب ، والإكراه لا يعمل على القلب فإن كان مصدقا بقلبه كان مؤمنا لوجود حقيقة الإيمان ، وإن كان مكذبا بقلبه كان كافرا لوجود حقيقة الكفر إلا أن عبارة اللسان جعلت دليلا على التصديق والتكذيب ظاهرا حالة الطوع ، وقد بطلت هذه الدلالة بالإكراه فبقي الإيمان منه والكفر محتملا ، فكان ينبغي أن لا يحكم بالإسلام حالة الإكراه مع الاحتمال كما لم يحكم بالكفر فيها بالاحتمال إلا أنه حكم بذلك ; لوجهين أحدهما أنا إنما قبلنا ظاهر إيمانه مع الإكراه ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فيئول أمره إلى الحقيقة ، وإن كنا لا نعلم بإيمانه لا قطعا ولا غالبا .

                                                                                                                                وهذا جائز ألا ترى أن الله تباك وتعالى أمرنا في النساء المهاجرات بامتحانهن بعد وجود ظاهر الكلمة منهن بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } ليظهر لنا إيمانهن بالدليل الغالب ; لقوله عز شأنه { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } كذا ههنا ، وهذا المعنى لا يتحقق في الإكراه على الكفر والثاني أن اعتبار الدليل المحتمل في باب الإسلام يرجع إلى إعلاء الدين الحق ، وأن اعتبار الغالب يرجع إلى ضده ، وإعلاء الدين الحق واجب قال النبي عليه الصلاة والسلام { الإسلام يعلو ولا يعلى } فوجب اعتبار المحتمل دون الغالب إعلاء لدين الحق ، وذلك في الحكم بإيمان المكره على الإيمان والحكم بعدم كفر المكره ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

                                                                                                                                ولو أكره على الإسلام فأسلم ثم رجع يجبر على الإسلام ، ولا يقتل بل يحبس ولكن لا يقتل ، والقياس أن يقتل لوجود الردة منه وهي الرجوع عن الإسلام .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان أنا إنما قبلنا كلمة الإسلام منه ظاهرا طمعا للحقيقة ، ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فينجع التصديق في قلبه على ما مر فإذا رجع تبين أنه لا مطمع لحقيقة الإسلام فيه ، وأنه على اعتقاده الأول فلم يكن هذا رجوعا عن الإسلام بل إظهارا لما كان في قلبه من التكذيب فلا يقتل ، وكذلك الكافر إذا أسلم وله أولاد صغار حتى حكم بإسلامهم تبعا لأبيهم فبلغوا كفارا يجبرون على الإسلام ولا يقتلون ، لأنه لم يوجد منهم الإسلام حقيقة فلم يتحقق الرجوع عنه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على أن يقر أنه أسلم أمس فأقر لا يحكم بإسلامه ; لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار لما نذكر في موضعه - إن شاء الله تعالى - وإذا لم يحكم بكفره بإجراء الكلمة لا تثبت أحكام الكفر حتى لا تبين منه امرأته ، والقياس أن تثبت البينونة ; لوجود سبب الفرقة وهو الكلمة أو هي من أسباب الفرقة بمنزلة كلمة الطلاق ثم حكم تلك لا يختلف بالطوع والكره فكذا حكم هذه .

                                                                                                                                ( وجه ) الاستحسان أن سبب الفرقة الردة دون نفس الكلمة ، وإنما الكلمة دلالة عليها حالة الطوع ، ولم يبق دليلا حالة الإكراه فلم تثبت الردة فلا تثبت البينونة ، ولو قال المكره خطر ببالي في قولي : كفرت بالله أن أخبر عن الماضي كاذبا ، ولم أكن فعلت لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره ; لأنه دعي إلى إنشاء الكفر ، وقد أخبر أنه أتى بالإخبار وهو غير مكره على الإخبار بل هو طائع فيه ، ولو قال طائعا : كفرت بالله ثم قال عنيت به الإخبار عن الماضي كاذبا ولم أكن فعلت لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه يحتمله كلامه ، وإن كان خلاف الظاهر ، ولو أكره على الإخبار فيما مضى ثم قال ما أردت به الخبر عن الماضي فهو كافر في القضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه بل أخبر أنه أنشأ الكفر طوعا ولو قال لم [ ص: 179 ] يخطر ببالي شيء آخر لا يحكم بكفره ; لأنه إذا لم يرد شيئا يحمل على الإجابة إلى ظاهر الكلمة مع اطمئنان القلب بالإيمان فلا يحكم بكفره ، وكذلك لو أكره على الصلاة للصليب فقام يصلي فخطر بباله أن يصلي لله تعالى وهو مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة ، فينبغي أن ينوي بالصلاة أن تكون لله عز وجل فإذا قال نويت به ذلك لم يصدق في القضاء ويحكم بكفره ; لأنه أتى بغير ما دعي إليه فكان طائعا ، والطائع إذا فعل ذلك وقال : نويت به ذلك لا يصدق في القضاء كذا هذا ، ويصدق فيما بينه وبين الله عز شأنه ; لأنه نوى ما يحتمله فعله ، ولو صلى للصليب ولم يصل لله سبحانه وتعالى قد خطر بباله ذلك فهو كافر بالله في القضاء ، وفيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه صلى للصليب طائعا مع إمكان الصلاة لله تعالى .

                                                                                                                                وإن كان مستقبل الصليب ، فإن لم يخطر بباله شيء وصلى للصليب ظاهرا ، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يحكم بكفره ويحمل على الإجابة إلى ظاهر ما دعي إليه مع سكون قلبه بالإيمان ، وكذلك لو أكره على سب النبي عليه الصلاة والسلام فخطر بباله رجل آخر اسمه محمد فسبه ، وأقر بذلك لا يصدق في الحكم ، ويحكم بكفره ; لأنه إذا خطر بباله رجل آخر فهذا طائع في سب النبي محمد عليه الصلاة والسلام ثم قال : عنيت به غيره فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ; لأنه يحتمل كلامه ، ولو لم يقصد بالسب رجلا آخر ، فسب النبي عليه الصلاة والسلام فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله جل شأنه ، ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه على ما مر ، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاما ، فأما إذا كان ناقصا يحكم بكفره ; لأنه ليس بمكره في الحقيقة ; لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ، ولو قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق في الحكم ; لأنه خلاف الظاهر كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية