الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " فإذا زالت الشمس وجلس الإمام على المنبر وأذن المؤذنون ، فقد انقطع الركوع فلا يركع أحد إلا أن يأتي رجل لم يكن ركع فيركع . وروي أن سليكا الغطفاني دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له : " أركعت ؟ " قال : لا . قال : " فصل ركعتين وأن أبا سعيد الخدري ركعهما ومروان يخطب وقال : ما كنت لأدعهما بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، وجملة هذا الفصل أنه يشتمل على مسألتين : أحدهما : وقت الجمعة .

                                                                                                                                            والثانية : جواز التنفل فيه .

                                                                                                                                            [ ص: 428 ] فأما وقت الجمعة فهو وقت الظهر سواء : من بعد زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله ، فإن صلاها قبل الزوال أو خطب لها أو أذن لم يجزه ، وأعاد ذلك بعد الزوال ، وحكي عن عبد الله بن عباس ، وبه قال أحمد بن حنبل : أن صلاة الجمعة قبل الزوال جائزة . استدلالا بما رواه إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة فينصرف وليس للحيطان فيء .

                                                                                                                                            والدلالة على ما قلناه : رواية أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة إذا زالت الشمس وروى المطلب بن حنطب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة وقد فاء فيء الحيطان ذراعا أو أكثر .

                                                                                                                                            ولأنها ظهر مقصورة فوجب أن لا يجوز فعلها إلا في وقت يجوز فيه فعل الإتمام ، قياسا على صلاة السفر .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن حديث سلمة : فلا دلالة فيه ؛ لأن الشمس تزول في الصيف بالحجاز وليس للشمس في الحيطان ظل ، وإن كان فهو شيء يسير . فأما قول الشافعي ، رضي الله عنه : " فإذا جلس الإمام على المنبر وأذن المؤذنون " فصحيح ، وأراد به الأذان الثاني الذي يجب به السعي ويحرم عنده البيع ، وفيه قال الله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع [ سورة الجمعة 9 ] .

                                                                                                                                            فأما الأذان الأول فهو محدث ، لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عهد أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، واختلف في أول من أحدثه وأمر به : فحكي عن طاوس اليماني والسائب بن يزيد أن أول من أمر به عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، حين كثر الناس في أيامه وحكى الشافعي عن عطاء أنه أنكر أن يكون عثمان ، رضي الله عنه أمر به ، وقال : أول من أحدثه معاوية . فاتركه لا بأس .

                                                                                                                                            [ ص: 429 ]

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية