الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 402 ]

وفائدة الخلاف ، استصحاب كل حال أصله ، فيما جهل دليله سمعا .

التالي السابق


ثم هذا الموضع هو موضع الكلام في تحسين العقل وتقبيحه ، والكلام في تلخيص محل النزاع ، ثم في دليله باختصار ، إذ كنا قد بسطنا القول فيه في كتاب مفرد وهو كتاب " رد القول القبيح بالتحسين والتقبيح " فنقول وبالله التوفيق :

ذهبت المعتزلة في آخرين إلى أن الأفعال لذواتها منقسمة إلى حسنة وقبيحة ، ثم منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل ، كحسن الإيمان ، وقبح الكفر ، ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الضار ، وقبح الكذب النافع ، إذ قد اشتمل كل منهما على جهتين : حسن وقبح ، ومصلحة ومفسدة ، فاحتيج في معرفة الحسن والقبح [ ص: 403 ] منهما إلى نظر يرجح إحدى الجهتين على الأخرى ، ومنها ما لا يدرك إلا بالسمع كحسن العبادات واختصاصها بالأمكنة والأوقات ، إذ تقدير نصب الزكوات وقدر الواجب فيها ، وأروش الجنايات ، والأسباب الموجبة لها ، وإيجاب صوم آخر يوم من رمضان وتحريم صوم اليوم الذي بعده ، واستحباب صوم تسعة من ذي الحجة وتحريم صوم أربعة بعدها ، وصحة الصلاة في جميع الأزمنة إلا خمسة أوقات ، وفي جميع الأمكنة إلا سبعة مواضع ، مما لا يدركه العقل ، فيحتاج فيه إلى موقف من الشرع ، فهذه حكاية المحققين لمذهب المعتزلة .

ثم استفاض ذكر مذهبهم على ألسنة الفقهاء وغيرهم ، حتى استعملوا فيه عبارات مجملة موهمة كقولهم : العقل يحسن ويقبح ، أو العقل يوجب ويحرم ، أو حاظر ومبيح ، حتى صار بعضهم يفهم أن العقل شارع فوق الشرع ، وأنه ملزم له بالحكم بمقتضاه إلزام الغريم غريمه ، وسبب ذلك تلقي بعضهم تلك العبارات عن بعض من غير نظر وتدبر .

وتحقيق الكلام في هذا المقام ما حققه بعض المتأخرين أن الحسن والقبح قد يراد بهما ما لاءم الطبع ونافره ، كإنقاذ الغريق واتهام البريء .

وقد يراد بهما صفة الكمال والنقص ، نحو : العلم حسن ، والجهل قبيح .

وقد يراد بهما ما يوجب المدح والذم الشرعيين عاجلا ، والثواب والعقاب آجلا . ولا نزاع في أنهما بالتفسيرين الأولين عقليان أي : يستقل العقل بإدراك [ ص: 404 ] الحسن والقبح فيهما .

أما الثالث ، فهو محل النزاع ، فالمعتزلة قالوا : هو عقلي أيضا يستقل العقل بإدراكه بدون الشرع وقبله .

وأهل السنة قالوا : هو شرعي ، أي : لا يعلم استحقاق المدح والذم ولا الثواب والعقاب شرعا على الفعل إلا من جهة الشرع على ألسنة الرسل .

وعلى هذا وقع النزاع في تعريف الحسن والقبيح ، فقيل : الحسن : ما لفاعله أن يفعله ، والقبيح : ما ليس لفاعله أن يفعله ، يعني عقلا ، وهو تعريف اعتزالي .

وقيل : الحسن : ما ورد الشرع بتعظيم فاعله والثناء عليه ، والقبيح يقابله ، وهذا تعريف سني جمهوري ، وإنما غلط المعتزلة في هذا الباب من جهة أن غالب ما استحسن أو استقبح في الشرع هو مستحسن أو مستقبح في العقل بالاعتبارين الأولين في الحسن والقبح ، وهما الملاءمة والمنافرة والنقص والذم .

مثاله : أن إنقاذ الغريق ونحوه اشتمل على أمرين ، أحدهما : المناسبة العقلية ، فالعقل يستقل بدركها ، والثاني : ترتب الثواب عليه ، فالعقل لا يستقل بدركه جزما ، بل جوازا ، وهو محل النزاع ، وكذا الكلام في جانب القبح ، وللنزاع بين الطائفتين مآخذ أشار إليها الأصوليون .

أحدها : أن الشرع هل هو مؤكد وكاشف ، أو منشئ ومبتدئ .

فالمعتزلة قالوا : الشرع مؤكد لحكم العقل فيما أدركه من حسن الأفعال وقبحها [ ص: 405 ] ضرورة أو نظرا ، كاشف عما لا يدركه من الأحكام شرعا كالعبادات ونحوها ، وليس قولهم : إن العقل لا يدرك الحسن في العبادات ونحوها منافيا لقولهم : إنها حسنة في العقل ، لأن مرادهم بحسنها فيه أنه لو كانت له قوة على إدراك حقائقها تامة ، لأدركها حسنة ، ومدركهم في ذلك أن الله سبحانه وتعالى حكيم ، فيستحيل عليه عقلا إهمال المصالح أن لا يأمر بها ، ويثيب عليها ، وإهمال المفاسد أن لا ينهى عنها ويعاقب عليها ، وما استحال على الله تعالى وجب أن يستحيل عليه دائما في كل وقت ، فلذلك قالوا : إن ما ثبت بعد الشرع ، فهو ثابت قبله ، وإلا لكان المستحيل عليه سبحانه وتعالى جائزا عليه في كل وقت من الأوقات ، وهو محال . غاية ما في الباب أن العقل أدرك الحسن والقبح في بعض الأوقات دون بعض ، فلما ورد الشرع ، كان مؤكدا لحكم العقل فيما أدركه ، كاشفا له عما لم يدركه .

أما الجمهور ، فقالوا : الشرع منشئ الأحكام ، ومخترع لها ولم يكن منها قبل الشرع شيء ، ولا يستقل العقل بإدراك شيء منها جزما بل جوازا ، وهذا هو محز الخلاف وغايته بين الطائفتين وهو أن إدراك العقل لإثابة الله سبحانه وتعالى للطائع وعقابه للعاصي ، هل هو إدراك جازم قاطع كما يدرك أنه حكيم عليم ؟ أو إدراك محتمل على جهة الجواز كما يدرك أنه سبحانه وتعالى يجوز أن يوقع المطر غدا وأن لا يوقعه ؟ وليس محل الخلاف ما يتوهمه كثير من الناس من أن العقل هو الموجب والمحرم ، بل الله سبحانه وتعالى هو الموجب والمحرم ، والعقل يدرك كونه موجبا [ ص: 406 ] إدراكا قاطعا أو جائزا على الخلاف .

ومدرك أهل السنة فيما قالوه عقلي وسمعي :

أما العقل : فهو ما دل على أن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه رعاية مصالح الخلق ، بل له أن يراعيها وأن يهملها ، ويفعل فيهم ما يشاء .

وتقرير الدليل أن العالم حادث مسبوق بالعدم في أزمنة تقديرية غير متناهية ، فإحداث البارئ جل جلاله للعالم حين أحدثه إما أن يتضمن مصلحة أو لا ، فإن تضمن مصلحة ، فقد أهمل مصلحة خلقه فيما سبق من الأزمنة غير المتناهية أزلا ، وإن لم يتضمن مصلحة ، فقد أهمل مصلحتهم أزلا وأبدا ، فإهمال مصلحتهم لازم على التقديرين ، وإذا جاز عليه سبحانه وتعالى إهمال مصالح خلقه ، لم يبق للعقل طريق إلى الجزم برعايتها ، وحينئذ يجوز أن يحرم عليهم ما يصلحهم ويبيح لهم ما يفسدهم ، ويجوز أن يعذب المطيع ويذمه وإن كان ذلك مفسدة في حقه ، ويثيب العاصي ويمدحه وإن كان ذلك مصلحة في حقه لا يستحقها ، فقد بان بهذا البرهان أن إدراك العقل الذم والمدح والثواب والعقاب على جهة الجواز لا اللزوم ، وهو المطلوب .

وأما السمعي فقوله سبحانه وتعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ الإسراء : 15 ] ، ونظائرها في القرآن متعددة . [ ص: 407 ]

ووجه دلالتها أنه نفى العقاب قبل الشرع ، ولو استقل العقل بإثباته لما صح نفيه ولتناقض دليل العقل والسمع ، وتناقضهما في نفس الأمر محال للإجماع على أن الشرع لم يرد بما ينافي العقل ، فإذا رأينا دليل العقل قد ناقض قاطع السمع وصريحه ، علمنا أن ذلك شبهة عقلية لا حجة .

المأخذ الثاني : أن الحسن والقبيح مشتقان من الحسن والقبح ، فعند المعتزلة أن المشتق منه وهو الحسن والقبح معنيان قائمان بالمشتق ، وهما الحسن والقبيح ، كما أن الأسود والأبيض لما كانا مشتقين من السواد والبياض كانا - أعني السواد والبياض - معنيين قائمين بالأسود والأبيض .

وإذا ثبت أن الحسن والقبح معنيان قائمان بالحسن والقبيح ، كان إدراك قيامهما بهما عقليا قياسا لإدراك بصيرة العقل لأحكام الأفعال على إدراك البصر لأحكام الأجسام ، وهذا معنى قولهم : إن قبحها لصفات قامت بها على ما سبق ذكره في مسألة الواجب المخير ، وعند الجمهور لا شيء من ذلك ، بل الحسن : ما أمر الله سبحانه وتعالى به أو أذن فيه ، والقبيح : ما نهى عنه أو منع منه . وما قرره المعتزلة فاسد من وجهين : [ ص: 408 ]

أحدهما : أنه قياس للأعراض على الأجسام ، وقد سبق أن قياس الشيء على غير جنسه لا يصح ، وأن شرط القياس اتحاد باب الأصل والفرع .

الوجه الثاني : سلمنا صحة القياس لكن يلزم منه قيام العرض بالعرض وهو محال ، أما لزوم قيام العرض بالعرض فلأن الأفعال أعراض ، والحسن والقبح والصفات أعراض ، فلو قام الحسن والقبح بالأفعال ، لزم قطعا قيام العرض بالعرض ، وأما أن ذلك محال فلأن العرض ما لا يقوم بنفسه ، فهو يحتاج إلى محل يقوم به كالجوهر والجسم ، فلو صح قيام الحسن والقبح بالأفعال لكانت الأفعال جواهر وأجساما لا أعراضا وهو محال .

فإن قيل : إن السرعة والبطء تقوم بالحركة فيقال : حركة سريعة أو بطيئة ، وهما عرضان ، فقد قام العرض بالعرض ، وكذلك الشدة والضعف عرضان يقومان بالألوان وهي أعراض ، فيقال : سواد وبياض شديد أو ضعيف .

قلنا : السرعة والبطء قائمان بالمتحرك بواسطة الحركة لا بنفس الحركة ، وكذلك الشدة والضعف في الألوان ، إنما قاما بالجسم المتلون لا باللون .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث