الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 32 ] الرابعة : في القرآن المعرب ، وهو ما أصله أعجمي ، ثم عرب ، خلافا للقاضي والأكثرين . لنا : قول ابن عباس وعكرمة : ناشئة الليل حبشية ، ومشكاة هندية ، و إستبرق و سجيل فارسية .

                قالوا : تحدي العرب بغير لسانهم ممتنع ، ثم ذلك ينفي كون القرآن عربيا محضا ، والنص أثبته ، وقوله عز وجل : أأعجمي وعربي ظاهر في إنكاره بتقديره ، ولا حجة في منع صرف إسحاق ونحوه ; لأنه علم ، والكلام في غيره ، والألفاظ المذكورة مما اتفق فيه اللغتان ، كالصابون ، والتنور .

                وأجيب بأن الألفاظ اليسيرة الدخيلة لا تنفي تمحض اللغة عرفا ، كأشعار كثير من العرب ، مع تضمنها ألفاظا أعجمية ، وتحديهم كان بلغتهم فقط . أو : لما عربت صار لها حكم العربية ، و أأعجمي وعربي متأول على خلاف ما ذكرتم ، واتفاق اللغتين بعيد ، والأصل عدمه .

                التالي السابق


                المسألة " الرابعة : في القرآن المعرب " ، أي : القرآن مشتمل على الكلام المعرب - بتشديد الراء وفتحها - " وهو ما أصله أعجمي ، ثم عرب " أي : استعملته العرب نحو استعمالها لكلامها ; فقيل له : معرب ، توسطا بين العجمي والعربي ، خلافا للقاضي أبي يعلى ، والقاضي أبي بكر ، والأكثرين .

                " لنا " ، أي : على وقوع المعرب في القرآن - " قول ابن عباس وعكرمة : ناشئة الليل " ، في قوله تعالى : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا [ المزمل : 6 ] حبشية " [ ص: 33 ] ومشكاة : لغة هندية ، وإستبرق و سجيل : لغة فارسية ، وهما من أهل التفسير والعلم بالقرآن ، خصوصا ابن عباس ترجمان القرآن ، الذي دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " اللهم علمه الحكمة " رواه الترمذي ، وهو متفق عليه ; فيجب المصير إلى قولهما .

                وذكر ابن فارس في كتاب " فقه اللغة " ، قال : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ومجاهد ، وابن جبير ، وعكرمة ، وعطاء ، وغيرهم من أهل العلم أنهم قالوا في أحرف كثيرة : إنها بلغات العجم ، منها : طه ، واليم ، والطور ، والربانيون ، [ ص: 34 ] يقال : إنها سريانية ، والصراط ، والقسطاس ، والفردوس ، يقال : هي رومية . ومشكاة ، و كفلين من رحمته [ الحديد : 28 ] ، يقال : هي حبشية ، وهيت لك ، يقال : هي بالحورانية .

                [ ص: 35 ] قال : وزعم أهل العربية أن القرآن ليس فيه من كلام العجم شيء ، وأنه كله بلسان عربي مبين .

                قلت : الحق أن فيه ألفاظا معربة كما ذكرنا ، لكن الألفاظ المذكورة عن هؤلاء أكثرها عربي محض ، وقد صنف ابن الجواليقي كتابا سماه " المعرب " ، وذكر فيه ألفاظا وقعت في القرآن معربة .

                قوله : " قالوا : تحدي العرب بغير لسانهم " ، إلى آخره ، هذه أدلة المانعين لوقوع المعرب في القرآن ، وهي من وجوه :

                أحدها : أن القرآن نزل معجزا تحدى به العرب ، أي : تحداهم وبعثهم على معارضته ، تعجيزا لهم ; فلو كان مشتملا على غير العربي المحض ، لكان قد تحداهم بمعارضة ما ليس من لسانهم ، وهو ممتنع ; لأنه تكليف ما لا يطاق ، كما إذا قيل للعجمي المحض : أنشئ لنا مثل السبع الطوال ، أو الأشعار الستة ، ونحوها .

                [ ص: 36 ] الوجه الثاني : أن النص أثبت أن القرآن عربي محض ، ولو كان فيه معرب لم يكن عربيا محضا .

                أما الأول : فلقوله سبحانه وتعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا [ يوسف : 2 ] ، وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا [ الأحقاف : 12 ] ، قرءانا عربيا غير ذي عوج [ الزمر : 28 ] ، ونحوه كثير ، وذلك يقتضي تمحض عربيته .

                وأما الثاني : فلأن ما اشتمل على عدة ألفاظ أعجمية الأصل ، لا يكون كله عربيا محضا بالضرورة ، كما أن الجيش من العرب ، إذا كان فيه آحاد فرسان من العجم ، لا يكون جيشا عربيا محضا ، فلو لم يكن القرآن عربيا ، لزم خلاف النص على كونه عربيا محضا .

                الوجه الثالث : قوله سبحانه وتعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي الآية [ فصلت : 44 ] ، هذا ظاهر في إنكار المعرب بتقدير وقوعه ; لأن تقدير الآية : أنا إنما جعلنا القرآن عربيا ; لأنا لو جعلناه أعجميا لأنكرتموه أيها الكفار ، وقلتم كيف يكون قرآن أعجمي ونبي عربي ، وظاهر الآية أنه لو وقع ذلك وأنكروه لكان لهم فيه الحجة ، وذلك يقتضي أنه عربي محض ، لتقوم به الحجة ، ولا يتجه لهم إنكاره .

                قوله : " ولا حجة في منع صرف " إسحاق " ونحوه " ، إلى آخره ، هذا جواب من منكري المعرب عن سؤال مقدر لمثبتيه ، وذلك أنهم قالوا : ومن الدليل على أن في القرآن ألفاظا أعجمية الأصل ، أن إبراهيم ، وإسحاق ، وإسماعيل ، ويعقوب ونحوها ، غير منصرفة لاجتماع العلمية والعجمة فيها ، وما اتصف بالعجمة ; فهو [ ص: 37 ] أعجمي ، ثم استعملت العرب هذه الألفاظ على نهج لغتها ; فصارت أعجمية معربة ، وهو المطلوب .

                فأجاب النافون عن ذلك بأن منع صرف إسحاق ونحوه ، لا حجة فيه على أن في القرآن معربا ; لأن هذه أعلام ، وليس النزاع في الأعلام ، إنما النزاع في غيرها وهي أسماء الأجناس ، نحو : ديباج ، وفرند ، ونيروز ، وآجر ، وإبريسم ، وإهليلج ، وإطريفل ولجام ونحوه .

                قوله : والألفاظ المذكورة ، إلى آخره ، هذا جواب من منكري المعرب عما استدل به مثبتوه من لفظ ناشئة ، ومشكاة ، وإستبرق ، وسجيل ، ونحوه .

                وتقريره : أن هذه الألفاظ ليست أعجمية ، بل هي عربية وافقت ألفاظ العجم فاتفقت فيها اللغتان المعروفتان عندنا في اللغتين جميعا ، وسنذكر جملة من ذلك آخر المسألة إن شاء الله تعالى ، وحينئذ لا يكون في الألفاظ المذكورة حجة على وقوع المعرب في القرآن ; لأنها على ما ذكرناه ليست معربة ، بل عربية وافقت ألفاظ العجم .

                قوله : " وأجيب " أي : عن الوجوه المذكورة التي احتج بها المانعون .

                أما عن الأول ، وهو قولهم : تحدي العرب بغير لغتهم ممتنع ، ولا نسلم أن وقوع المعرب في القرآن يستلزم تحديهم بغير لغتهم ; لأن الواقع من المعرب في القرآن ألفاظ يسيرة ، دخيلة من غير لغته ، وهي لا تنفي تمحض العربية فيه عرفا ، كأشعار كثير من العرب الفصحاء ، هي عربية عرفا باتفاق ، مع تضمنها ألفاظا أعجمية ، وإذا [ ص: 38 ] لم يكن المعرب الواقع في القرآن نافيا لتمحضه عربيا ; فما تحداهم إلا بلغتهم ; لأن تلك الألفاظ الدخيلة لقلتها لا تأثير لها ، وليس هذا كما ذكروه من تكليف العجمي المحض إنشاء مثل السبع الطوال ونحوها ، لكثرته وقلة المعرب في القرآن بالضرورة .

                أو نقول : إن تحديهم كان بلغتهم فقط لا بالمعرب ، وفي القرآن من الألفاظ المحضة ما هي كافية بتعجيزهم عن الإتيان بمثله ، وهذا معنى قولنا : " وتحديهم بلغتهم فقط " .

                قوله : " أو لما عربت صار لها حكم العربية ، هذا جواب آخر عن هذا السؤال ، أن هذه الكلمات وإن كان أصلها أعجميا ، إلا أن العرب لما استعملتها في لغتها ، صار لها حكم العربية في الإعجاز والتحدي ومخاطبة العرب بها ; فما تحداهم إلا بلغتهم " . فحاصل الأمر منع أنه تحداهم بغير لغتهم ; إما لأن المخالف للغة القرآن فيه قليل ، لا حكم له في نفي تمحضه عربيا ، أو لأنه بالتعريب صار حكمه حكم العربي ، ثم إن أصل الدليل مبني على امتناع تكليف ما لا يطاق ، وهو ممنوع كما سبق ، وقد حصل الجواب عن الوجه الثاني ، وهو أن وقوع المعرب في القرآن ينفي كونه عربيا محضا .

                ثم نريد الطعن في مقدمة دليله ، وهو أنا لا نسلم أن النص أثبت أن القرآن عربي محض ، وقولهم : إن قوله سبحانه وتعالى : إنا أنزلناه قرآنا عربيا [ يوسف : 2 ] [ ص: 39 ] ونحوه يقتضي تمحض عربيته ممنوع ، بل يقتضي أنه عربي في غالب ألفاظه ، وأنه عربي حكما لا حقيقة ، بمعنى أنه لم ينف أنه لا معرب فيه ، أو أنه عربي عرفا ، والقرآن مع المعرب الذي فيه يسمى عربيا عرفا كما بينا ، والقول فيما استشهدوا به من الجيش العربي فيه آحاد من العجم كذلك ، اعتبارا بالأكثر ، وإن سلمنا ; فالفرق بينهما : أن آحاد الفرسان لم يحدث فيها ما يصير حكمها حكم العرب ، بخلاف الألفاظ المعربة ; فإنه حدث فيها من تعريب العرب لها ما صير حكمها حكم ألفاظ العرب .

                وأما الجواب عن الثالث ، وهو قوله تعالى : ولو جعلناه قرآنا أعجميا [ فصلت : 44 ] ; فقد أجبت عنه في " المختصر " بقولي : " و أأعجمي وعربي متأول على خلاف ما ذكرتم " .

                وتقرير الجواب بنحو ما سبق ، وهو أن حجة الكفار ; إنما كانت تقوم لو كان جميع القرآن أعجميا ، أما وغالبه عربي بلغتهم ، وإنما فيه ألفاظ يسيرة من غيره ; فلا ، وحينئذ يصير تأويل الآية : ولو جعلنا هذا القرآن ، أي جميعه ، قرآنا أعجميا ; لأنكروه ، ولقامت حجتهم ، لكن ما جعلنا جميعه أعجميا ; فليس لهم إنكاره ، ولا تقوم لهم بإنكاره حجة ، وهو صحيح ; لأنهم لو قالوا له أنت أتيتنا بألفاظ ليست من لغتنا كالمشكاة ، وسجيل ، ونحوه ، ونحن لا نعرف إلا لغتنا ، لقال لهم : أنا لا أتحداكم بهذه الألفاظ ، بل بالألفاظ العربية المحضة ، التي هي من لغتكم ; فأتوا بمثلها إن كنتم صادقين .

                [ ص: 40 ] والجواب عن قولهم : إن مشكاة ونحوها مما اتفق فيه اللغتان بوجهين :

                أحدهما : أن اتفاق اللغتين بعيد في العادة ، وإن كان ممكنا لذاته .

                الثاني : سلمنا أنه ليس ببعيد ، لكن الأصل عدمه ; فحملكم الألفاظ عليه ، مع نقل العلماء المعتبرين أنها معربة ، حمل على خلاف الأصل ، وهو غير جائز .

                واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم ; فهي كما ذكرناه في مبدأ اللغات ، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات .

                تنبيه : ذكر ابن إسحاق في المغازي ، وابن فارس في فقه اللغة ، المسمى بـ الصاحبي ، كلاهما عن أبي عبيد ، ما يدل على أن النزاع في المسألة لفظي . وحاصله : أن في اللغة ألفاظا أصلها أعجمي ، كما قال الفقهاء ، لكن استعملتها العرب ; فعربتها بألسنتها ، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ; فصارت عربية ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت بكلام العرب ; فمن قال : إنها عربية ; فهو صادق ، يعني باعتبار التعريب الطارئ . ومن قال : إنها أعجمية ; فهو صادق ، يعني باعتبار أصلها .

                قال أبو عبيد : وإنما سلكنا هذا الطريق لئلا يظن بالفقهاء الجهل بكتاب الله عز وجل ، وهم كانوا أعلم بالتأويل ، وأشد تعظيما للقرآن .

                [ ص: 41 ] فائدة تتعلق بالمسألة :

                قال الثعالبي في فقه اللغة وأسرار العربية : فصل في ذكر أسماء قائمة في لغتي العرب والفرس على لفظ واحد : التنور ، الخمير ، الرمان ، الدين ، الكنز ، الدينار ، والدرهم .

                ثم قال : فصل في أسماء تفردت بها الفرس دون العرب ; فاضطرت العرب إلى تعريبها ، أو تركها كما هي ; فمنها في الأواني : الكوز ، الجرة ، الإبريق ، الطست ، الخوان ، الطبق ، القصعة ، السكرجة .

                ومن الملابس : السمور ، السنجاب ، الخز ، الديباج ، السندس ، التاختج ، الراختج .

                ومن الجواهر : الياقوت ، الفيروزج ، والبلور .

                ومن المأكولات : السميذ ، الجرذق ، والدرمك ، والكعك والسكباج ، والمزيرباج ، والطباهج ، والجوذاب ، الزماورد ، الفالوذج ، اللوزينج ، الجوزينج ، السكنجبين ، الجكنجبين .

                [ ص: 42 ] ومن الأفاويه والرياحين : القرفة ، الدارصيني ، الفلفل ، الكراويا ، الزنجبيل ، الخولنجان ، النرجس ، البنفسج ، النسرين ، السوسن ، المرزنجوش ، الياسمين ، الجلنار ، العنبر ، الكافور ، الصندل ، القرنفل .

                وذكر فصلا فيما نسبة فارسيته من العربية ، وفصلا في أسماء عربية تتعرب فارسية أكثرها ، وأشياء غير ذلك . ولم أستوف ما ذكره خشية الإطالة ، وكل هذا يدل على أن في اللغة والقرآن معربا ، وطريق الجمع والتوفيق ما قاله أبو عبيد ، ولعل ناظرا ينظر في هذا الكتاب ; فيظن حكايتنا لهذه الألفاظ خروجا عن المقصود ، وليس كذلك ، بل هو محقق للمقصود ومكمل له ، وإنما يعتقد أن ذلك خروج بطال يقنع بحكاية ما يجده في كتب الفقهاء والأصوليين ، وإنما الحزم أخذ كل شيء من مظنته ، ومع ذلك ليت الشخص يصل إلى تحقيق المراد ، لكنه كلما كان اجتهاده أبلغ ، كان بالتحقيق أجدر ، والله تعالى أعلم .




                الخدمات العلمية