الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 514 ] الرابعة : خطاب الناس ، والمؤمنين ، والأمة ، والمكلفين يتناول العبد لأنه منهم . وخروجه عن بعض الأحكام لعارض ، كالمريض ، والمسافر ، والحائض . ويدخل النساء في خطاب الناس ، وما لا مخصص لأحد القبيلين فيه ، كأدوات الشرط دون ما يخص غيرهن ، كالرجال والذكور . أما نحو : المسلمين ، وكلوا واشربوا [ البقرة : 187 ] ; فلا يدخلن فيه عند أبي الخطاب والأكثرين ، خلافا للقاضي ، وابن داود ، وبعض الحنفية ، فإن أرادوا بدليل خارج أو قرينة فاتفاق . وإلا فالحق الأول .

                لنا : القطع باختصاص الذكور بهذه الصيغ لغة ، وقول أم سلمة : يا رسول الله ، ما بال الرجال ، ذكروا ولم تذكر النساء ; فنزل : إن المسلمين والمسلمات [ الأحزاب : 35 ] ; ففهمت عدم دخولهن في لفظ المؤمنين وهي من أهل اللغة ، وإلا لما سألت ، ولكان ( والمسلمات ) ونحوه تكرارا .

                قالوا : متى اجتمعا ، غلب المذكر . ولو أوصى لرجال ونساء ، ثم قال : أوصيت لهم ، دخلن ، وأكثر خطاب الله تعالى للقبيلين بالصيغ المذكورة .

                قلنا : بقرائن ، لشرف الذكورية ، والإيصاء الأول .

                التالي السابق


                المسألة " الرابعة : خطاب الناس " ، أي : الخطاب الوارد مضافا إلى الناس " والمؤمنين ، والأمة والمكلفين " نحو : يا أيها الناس [ البقرة : 21 ] ، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون [ النور : 31 ] ، كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران : 110 ] ، ونحو ذلك يتناول العبد ، أي : يدخل فيه العبد لأنه منهم ، أي : من الناس والمؤمنين والأمة والمكلفين .

                " وخروجه عن بعض الأحكام " ، كوجوب الحج والجهاد والجمعة إنما هو لأمر عارض ، وهو فقره واشتغاله بخدمة سيده ونحو ذلك ، " كالمريض والمسافر والحائض " ، يتناولهم الخطاب المذكور ، ويخرجون عن بعض الأحكام ، [ ص: 515 ] كوجوب الصوم والصلاة على الحائض ، ووجوب الصوم ، وإتمام الصلاة على المسافر ، ووجوب الصوم على المريض لأمر عارض وهو المرض والسفر والحيض .

                " ويدخل النساء في خطاب الناس ، وما لا مخصص لأحد القبيلين " : يعني الرجال والنساء ; " فيه كأدوات الشرط " ، نحو : من رأيت ; فأكرمه ; فإنه يتناول النساء " دون ما يخص غيرهن كالرجال والذكور " فإنه لا يتناولهن ; لأنهن لسن رجالا ولا ذكورا .

                " أما نحو المسلمين " ، والمؤمنين ، " وكلوا واشربوا ; فلا يدخلن فيه عند أبي الخطاب والأكثرين " ، منهم الشافعية والأشاعرة وجماعة من الحنفية والمعتزلة ، وهو اختيار الآمدي ، " خلافا للقاضي " أبي يعلى ، " وابن داود وبعض الحنفية " حيث قالوا : يدخلن فيه .

                قلت : تلخيص محل النزاع ظاهر مما ذكر ، وأزيده ظهورا بأن أقول : ما اختص بأحد القبيلين من الألفاظ لا يتناول الآخر ، كالرجال والذكور والفتيان والكهول والشيوخ لا يتناول النساء ، والنساء والإناث والفتيات والعجائز لا يتناول الرجال ، وما وضع لعموم القبيلين ، دخلا فيه ، نحو : الناس والبشر والإنسان إذا أريد به النوع أو الشخص وولد آدم وذريته ، وأدوات الشرط ، نحو : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ فصلت : 46 ] ، و من صلى البردين دخل الجنة .

                أما قوله عز وجل : يابني آدم [ الأعراف : 26 ] ; فهو في الوضع للذكور ، لكن يتناول الإناث بطريق التغليب عادة ، وكذا لو وصى لبني [ ص: 516 ] تميم ونحوها من القبائل الكبار يتناول النساء لذلك ، بخلاف بني زيد أو عمرو ممن ليس أبا لقبيلة .

                وأما قوله عليه السلام : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج . فهو في الأصل للذكور ; لأن الشاب يجمع على شبان وشباب ، وفي المؤنث يقال : شابة وشابات ; فهو كمسلم ومسلمات . نعم يتناول النساء بعموم العلة ، وهو أن شهوة النكاح غريزة في القبيلين ، وكل منهم محتاج إلى قضائها .

                وأما جمع المذكر السالم وضمير الجمع المتصل بالفعل ، نحو : المسلمين ، وكلوا واشربوا ، وقاموا وقعدوا ، ويأكلون ويشربون ; ففيه النزاع المذكور .

                قوله : " فإن أرادوا بدليل خارج أو قرينة ; فاتفاق ، وإلا فالحق الأول " ، أي : إن أراد القاضي ومن وافقه بأن الإناث يدخلن في لفظ المسلمين وكلوا واشربوا بدليل منفصل ، أو قرينة تدل على دخولهن ; فهو متفق عليه بين الكل ; لأن خلاف وضع اللفظ لا يمتنع أن يدل عليه دليل ، وإن أرادوا أنهن يدخلن فيه بمقتضى اللفظ وضعا ; فليس بصحيح ، والحق الأول ، وهو قول أبي الخطاب ومن وافقه أنهن لا يدخلن في ذلك .

                [ ص: 517 ] قوله : " لنا " أي : على صحة القول الأول وجوه :

                أحدها : " القطع باختصاص الذكور بهذه الصيغ لغة " ، واختصاص الإناث بغيرها ، وإجماع أهل اللغة على ذلك ; فيقال : مسلمون ومسلمات ، وكلوا واشربوا في المذكر ، وكلن واشربن في المؤنث ، وقالوا : جمع المذكر السالم نحو : مؤمنون ، وجمع المؤنث السالم نحو : مؤمنات ، وإذا عبر عن كل قبيل بصيغة ، لم يتناول صيغة الآخر ; فجرى ذلك مجرى اتفاقهم على الفرق بين التثنية والجمع في التكلم والتصنيف حيث دل على أن الاثنين ليسا جمعا كما سبق .

                الوجه الثاني : " قول أم سلمة : يا رسول الله ، ما بال الرجال ذكروا ولم تذكر النساء ؟ فنزل : إن المسلمين والمسلمات [ الأحزاب : 35 ] ، إلى آخره . هكذا وقع في كتب الأصول ; فلعله رواه بالمعنى أو بعض ألفاظ [ ص: 518 ] الحديث والذي روى الترمذي ، من حديث مجاهد ، عن أم سلمة قالت : يغزو الرجال ولا تغزو النساء ، وإنما لها نصف الميراث ; فأنزل الله عز وجل : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض [ النساء : 32 ] ، قال مجاهد : فأنزل الله فيها : إن المسلمين والمسلمات الآية ، قال الترمذي : هو حديث مرسل . وعن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم ; فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن بشيء ; فنزلت هذه الآية : إن المسلمين والمسلمات الآية . [ ص: 519 ] قال الترمذي هذا حديث حسن غريب .

                ووجه الدلالة من الحديث أن المرأة من أهل اللغة ، وقد فهمت عدم دخولهن في لفظ المؤمنين ; فدل على أنه لا يتناول النساء ، إذ لو تناولهن ، لما سألت ، إذ كان يكون سؤالها خطأ ; فلا تستحق عليه جوابا ، لكنها قد أجيبت بنزول الآية .

                فإن قيل : لا نسلم أنها فهمت عدم دخول النساء في لفظ المؤمنين ، وإنما فهمت عدم دخولهن في لفظ الرجال حيث قالت أم سلمة رضي الله عنها : يغزو الرجال ولا تغزو النساء . وقالت أم عمارة رضي الله عنها : ما أرى كل شيء إلا للرجال . وعدم دخول النساء في لفظ الرجال صحيح باتفاق ، لكنه ليس محل النزاع ، إنما الكلام في دخولهن في لفظ المؤمنين ونحوه .

                فالجواب أن الجهاد ثبت وجوبه بقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار [ التوبة : 123 ] ، وهو كقوله : يا أيها المؤمنون ، وبقوله عز وجل : وجاهدوا في الله حق جهاده [ الحج : 78 ] ، قاتلوا الذين لا يؤمنون [ التوبة : 29 ] ، اقتلوا المشركين [ التوبة : 5 ] ، ونحوها من الآيات الواردة بالألفاظ المتنازع في تناولها النساء ، ثم إن سؤالها المذكور دل على أنها فهمت عدم دخولهن فيها وهو المطلوب .

                [ ص: 520 ] وأما لفظ الرجال ; فهو من كلام أم سلمة وأم عمارة ، والكلام في تناول لفظ الشارع للنساء لا لفظ غيره ، بل قولها : " يغزو الرجال ولا تغزو النساء " ، قاطع في أنها فهمت اختصاص الرجال بنحو : جاهدوا وقاتلوا ، وهو المطلوب .

                الوجه الثالث : أن لفظ المؤمنين والمسلمين لو تناول النساء ، لكان قوله عز وجل : إن المسلمين والمسلمات [ الأحزاب : 35 ] الآية ونحوه مثل : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ التوبة : 71 ] ، تكرارا ، كما لو قال : إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات [ الأحزاب : 35 ] ، والتكرار عبث .

                فإن قيل : العبث هو التكرار لغير فائدة ، أما التكرار لفائدة ; فليس عبثا ، وفائدته هاهنا تخصيص النساء بالذكر بلفظ يخصهن ، وقد حصل ذلك بقوله تعالى : والمسلمات ; فلا يكون عبثا .

                فالجواب من وجهين :

                أحدهما : أن الآية نزلت على السبب المذكور ، وسؤال المرأة إنما كان عن عدم ذكر النساء ، لا عن عدم تخصيصهن بلفظ ; فلا يصح ما ذكرتم .

                الثاني : أن بتقدير صحة ما قلتم يكون : والمسلمات تأكيدا ، وعلى ما ذكرناه يكون تأسيسا ، وفائدة التأسيس أولى لأنها أكمل .

                الوجه الرابع : وليس في " المختصر " ، أن الجمع تضعيف الواحد ; فالمؤمنون تضعيف مؤمن ، وكلوا تضعيف ضمير كل ، وكما أن المؤمن وكل لا يتناول الأنثى ، ولا يدل عليها ، كذلك مؤمنون وكلوا [ ص: 521 ] لا يتناول الإناث ، ولا يدل عليهن .

                فثبت بهذه الوجوه أن الإناث لا يدخلن في اللفظ المذكور .

                قوله : " قالوا : متى اجتمعا " ، إلى آخره . هذا حجة القاضي وموافقيه على أن اللفظ المذكور يتناول الإناث ، وهي من وجوه :

                أحدها : أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث ، غلب المذكر في لغة العرب واستعمالهم ، كقوله عز وجل : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو [ طه : 123 ] ، والخطاب لآدم وإبليس وحواء والحية ; فيتناولهما ضمير التذكير ، ولو قال السيد لمن بحضرته من عبيده : قوموا ، واقعدوا ، تناول جميعهم ، ولو قال : قوموا ، وقمن ، واقعدوا ، واقعدن ، لعد تطويلا وعي‍ا ولكنة ، وهذا يدل على ما ذكرناه .

                الوجه الثاني : لو أوصى لرجال ونساء ، ثم قال : أوصيت لهم ، دخل النساء في الوصية الثانية مع أن " لهم " ضمير مذكر ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ; فيطرد في كل موضع .

                الوجه الثالث : أن أكثر خطاب الله تعالى للقبيلين : الرجال ، والنساء بالصيغ المذكورة ، نحو : هدى للمتقين [ البقرة : 2 ] ، وبشرى للمؤمنين [ البقرة : 97 ] ، للمحسنين [ الأحقاف : 12 ] ، وبشر المؤمنين [ التوبة : 112 ] ، وبشر الصابرين [ البقرة : 155 ] ، ياأيها الذين آمنوا [ المائدة : 1 ] ، أيها المؤمنون [ النور : 31 ] ، ياعبادي الذين آمنوا [ العنكبوت : [ ص: 522 ] 56 ] ، وهو كثير ، وهو يتناول النساء باتفاق ، وإفرادهن بلفظ خاص بهن إيضاحا وتبيينا ، نحو : المسلمات والمؤمنات والأنثى ، لا يمتنع اللفظ الصالح للعموم لهن ، بل يكون ذلك من باب عطف الخاص ، نحو : وملائكته ورسله وجبريل وميكال [ البقرة : 98 ] ، وهما داخلان في الملائكة ، و فاكهة ونخل ورمان [ الرحمن : 68 ] ، وهما داخلان في الفاكهة ، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم [ الأحزاب : 27 ] ، وهما داخلان في الأموال .

                قوله : " قلنا : بقرائن لشرف الذكورية ، والإيصاء الأول " .

                أي : قلنا : لا نسلم أن تناول الصيغ المذكورة للنساء في الوجوه التي ذكرتموها بأصل الوضع ، بل بقرائن لشرف الذكورية في الوجه الأول والثالث ويسمى التغليب ، وهو أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث ، غلب المذكر في الخطاب لشرف الذكورية ، كما غلب القمر على الشمس في قولهم : القمران لشرف الذكورية وخفتها ; فالتغليب يقع في اللغة لمعاني : منها : شرف الذكورية ، ومنها : خفة اللفظ ، كتغليب عمر على أبي بكر رضي الله عنهما في قولهم : العمران ، لخفة الإفراد ، وكذلك لو قال : يا عبادي وإمائي الذين آمنوا ، ويا أيها الذين آمنوا واللاتي آمن ، وقوموا وقمن ، كان عيا في عرف اللغة ; فلقرينة لزوم العي من إفرادهن بالذكر حكمنا بدخولهن في الخطاب المذكور لا بوضع اللغة .

                [ ص: 523 ] وكذلك في قوله : أوصيت لهم ، إنما تناول النساء بقرينة الإيصاء الأول ; فإنه لما صرح بالوصية لهن فيه ، ثم قال : أوصيت لهم ، دل على أنه أراد جميع من أوصى له أولا .

                قولهم : الأصل في الإطلاق الحقيقة فيطرد .

                قلنا : مع القرينة لا يثبت الإطلاق ; فلا يثبت الاطراد ، والله سبحانه وتعالى أعلم .




                الخدمات العلمية