الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 83 ] الثالثة : قيل : ما حصل العلم في واقعة ، أو لشخص ، أفاده في غيرها ، ولغيره ممن شاركه في السماع ، من غير اختلاف . وهو صحيح إن تجرد الخبر عن القرائن ، أما مع اقترانها به ; فيجوز الاختلاف ، إذ لا يبعد أن يسمع اثنان خبرا ، يحصل لأحدهما العلم به ، لقرائن احتفت بالخبر ، اختص بها دون الآخر ، وإنكاره مكابرة .

                ويجوز حصول العلم بخبر الواحد مع القرائن ، لقيامها مقام المخبرين في إفادة الظن وتزايده حتى يجزم به ، كمن أخبره واحد بموت مريض مشف ، ثم مر ببابه ; فرأى تابوتا بباب داره ، وصراخا ، وعويلا ، وانتهاك حريم ، ولولا إخبار المخبر ، لجوز موت آخر .

                التالي السابق


                المسألة " الثالثة : قيل : ما حصل العلم في واقعة ، أو لشخص ، أفاده في غيرها ، ولغيره ممن شاركه في السماع " . هذا قول القاضي أبي بكر ، وأبي الحسين البصري ; فيما ذكره الآمدي . أما الشيخ أبو محمد فقال : ذهب قوم إلى هذا ; فيجوز أن يكون أراد أحد هذين ، أو هما ، أو غيرهما .

                ومعنى الكلام : أن ما أفاد العلم من الأخبار في واقعة معينة ، وجب أن يفيده في كل واقعة غيرها ، وما أفاد العلم شخصا من الناس ، وجب أن يفيده لكل شخص غيره إذا شاركه في سماع ذلك الخبر ، " من غير اختلاف " ، أي : لا يجوز أن يختلف الخبر ; فيفيد العلم في واقعة دون أخرى ، ولا لشخص دون آخر .

                قوله : " وهو صحيح إن تجرد الخبر عن القرائن " ، أي : هذا القول ; إما أن يكون مع تجرد الخبر عن القرائن ، أو لا مع تجرده ، فإن كان مع تجرده عن القرائن ; فهو صحيح ; لأن حكم المثلين واحد . فإذا أخبر مائة نفس زيدا بموت عمرو ، وحصل [ ص: 84 ] له العلم بخبرهم ; وجب أن يفيد بشرا خبر مائة نفس بموت بكر ، أو تزوجه ، أو حصول ولد له ، ونحو ذلك ، لاستواء القضايا والأشخاص في ذلك .

                وإن كان ما ذكروه مع اقتران قرائن بالخبر ; فلا يلزم ، بل يجوز الاختلاف ، أي : اختلاف إفادة الخبر العلم باختلاف الأشخاص والوقائع ، إذ لا يبعد ، ولا يمتنع ، أن يسمع اثنان خبرا واحدا ، وقد احتفت بذلك الخبر قرينة أو قرائن ، اختص بعلمها أحدهما ; فيحصل له العلم بالخبر مع القرينة ، دون الآخر ، لعدم ظهوره على تلك القرينة ، وذلك لأن القرائن قائمة مقام بعض المخبرين ; فيصير كما لو أخبر أحدهما تواترا والآخر آحادا . ومثال ذلك : ما لو قال رجل لزيد وعمرو : قد تزوج بكر ، ويكون زيد قد رأى بكرا بالأمس يشتري جهاز العرس ، دون عمرو . أو يخبرهما المخبر بموت بكر ، ويكون زيد قد علم أنه مريض ميئوس منه ، دون عمرو ; فإنا نعلم بالضرورة أن زيدا يحصل له زيادة العلم بهذه القرينة ما لا يحصل لعمرو من ذلك الخبر ، علما أو غلبة ظن ، " وإنكاره مكابرة " .

                قوله : " ويجوز حصول العلم بخبر الواحد مع القرائن ، لقيامها مقام المخبرين في إفادة الظن وتزايده حتى يجزم به " . معنى هذا الكلام أن العلم بخبر التواتر يحصل على جهة التزايد التدريجي ، وذلك لأن أول مخبر للإنسان بخبر يحرك عنده ظن ذلك الخبر على حسب ذلك المخبر في صدقه وعدالته ، وتيقظه وذكائه ، ثم كلما أخبره بذلك الخبر مخبر بعد مخبر ، تزايد ذلك الظن بإخبارهم ، حتى يبلغ القطع واليقين في نفسه .

                [ ص: 85 ] وإذا ثبت هذا ; فالقرائن المحتفة بالخبر تقوم مقام آحاد المخبرين في إفادة الظن وتزايده ; لأنا نجد تأثيرها في أنفسنا بالضرورة ، وإذا كانت بمثابة المخبرين ; جاز بالضرورة أن يحصل العلم بخبر الواحد معها ; لأن مخبرا واحدا مع عشرين قرينة يتنزل منزلة أحد وعشرين مخبرا ، بل ربما أفادت القرينة الواحدة ما لا يفيده خبر جماعة من المخبرين ، بحسب ارتباط دلالتها بالمدلول عليه عقلا .

                قوله : " كمن أخبره واحد بموت مريض " ، إلى آخره . هذا مثال المسألة ، وهو أن الواحد منا لو أخبره واحد من الناس بموت مريض كنا نعلم أنه مشف على الموت ، " ثم مررنا بباب ذلك المريض ; فرأينا عليه تابوتا " ، أي : نعشا ، وصراخا وعويلا داخل الدار ، وانتهاك حريم ; فإنا نجزم بموت الشخص الذي أخبرنا بموته .

                وقوله : " ولولا إخبار المخبر لجوز موت آخر " ، هذا جواب سؤال مقدر ، تقديره أن يقال : لا نسلم أن الموجب لعلمنا بموت المريض المذكور هو خبر ذلك الواحد ، بل الموجب له تلك القرائن التي رأيناها .

                وجوابه : أن الدليل على أن الموجب للعلم بموته خبر الواحد مع تلك القرائن ، لا القرائن بمجردها ، أنه لولا خبر ذلك الواحد ، لما اختص العلم بموت ذلك المريض المعين ، بل كنا نجوز موت شخص آخر غيره ; لأن القرائن المذكورة ، إنما أفادتنا أن في هذه الدار ميتا لا بعينه ، وأما خصوصية كونه فلانا المريض بعينه ; فإنما استفدناه من خبر الواحد ; فالقرائن مفيدة لأصل الموت ، والخبر مفيد لتعيين الميت ، وقد بينا أن القرائن كالمخبرين ، ولو أخبرنا جماعة أن في هذه الدار ميتا ، ثم أخبرنا آخر أن الميت المذكور هو فلان ، لحصل لنا العلم بموت فلان ، مستندا [ ص: 86 ] إلى مجموع الخبرين ; فلذلك إذا أفادتنا القرائن موتا مطلقا ، وأفادنا الخبر ميتا معينا ، فإن خبر المخبر جزء من مستند العلم بالموت في الصورتين .




                الخدمات العلمية