الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 419 ] العاشرة : تعلق الأمر بالمعدوم بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه محال باطل بالإجماع ، أما بمعنى تناول الخطاب له بتقدير وجوده فجائز عندنا ، خلافا للمعتزلة وبعض الحنفية .

                لنا : تكليف أواخر الأمم الخالية بما كلف به أوائلهم من مقتضى كتبهم المنزلة على أنبيائهم ، وتكليفنا بمقتضى الكتاب والسنة وإنما خوطب بهما غيرنا .

                قالوا : يستحيل خطابه ; فكذا تكليفه .

                قلنا : لا نسلم استحالة خطابه ، سلمناه ، لكن من غير الله تعالى لتحققه وجود المكلف ، وكمال قدرته على إيجاده ، لا سيما على قول المعتزلة : إن المعدوم شيء ، وإن تأثير القدرة ليست في إيجاد المعدوم ، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء ، ولأن الإنسان يخاطب ولدا يتوقعه في كتاب : يا بني ، تعلم العلم ، وافعل كذا وكذا ، ولا يعد سفيها .

                التالي السابق


                المسألة " العاشرة : تعلق الأمر بالمعدوم " ، إلى آخره ، أي : توجه الأمر إلى المعدوم ; إن كان بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه ; فهو محال ، باطل بالإجماع ; لأن المعدوم لا يفهم الخطاب ; فضلا عن أن يعمل بمقتضاه ، ولأن شروط التكليف كلها منتفية فيه ، وإن كان بمعنى الخطاب له بتقدير وجوده ، ووجود شروط التكليف فيه ; فهو [ ص: 420 ] جائز عندنا ، وعند الأشعرية ، خلافا للمعتزلة ، وبعض الحنفية .

                قلت : والأشعرية يفرعون هذا على تحقيق كلام النفس ، بمعنى أن طلب إيقاع الفعل من المعدوم ; إذا وجد ، وتأهل للتكليف ، قام بذات الله عز وجل أزلا .

                قلت : وقد أبطلنا كلام النفس فيما سبق ، وبالجملة : فالمسألة ممكنة . سواء قلنا : كلام الله عز وجل معنى مجرد ، أو لفظ ومعنى ، على رأي أهل الأثر .

                " لنا " في المسألة : أن تكليف المعدوم كما ذكرناه قد وقع ، والجواز لازم للوقوع ، وإنما قلنا : إنه وقع لوجهين :

                أحدهما : أن أواخر الأمم الخالية كلفوا بما كلف به أوائلهم ، من مقتضى كتبهم المنزلة على أنبيائهم ، كالتوراة ، والإنجيل ، وصحف شيت ، وإبراهيم عليهما السلام ، مع أن الآخر لم يكن موجودا عند تكليف الأول ، وهذا يدل على ما قلناه .

                ثم إذا صح خطاب المعدوم قبل وجوده بالزمن اليسير ، وهو ما بين أول الأمة وآخرها ; صح قبل وجوده بما لا يتناهى ، وهو تكليفه في الأزل ، بالتفسير الذي قلناه ، إذ لا قائل بالفرق ، ولأن دليل الخصم في المنع يعم الحالين ، فإذا بطل في أحدهما ; بطل في الآخر .

                الوجه الثاني : أننا نحن كلفنا بمقتضى الكتاب والسنة ، والمخاطب بهما غيرنا ، قبل وجودنا بسبعمائة سنة ، ويتزايد ذلك بالنسبة إلى من بعدنا .

                والتقرير : ما سبق في الوجه قبله ; فدل ذلك على ما قلناه .

                - قوله : " قالوا " ، هذا دليل الخصم على المنع .

                [ ص: 421 ] وتقريره : أن المعدوم يستحيل خطابه ; فكذا يستحيل تكليفه :

                أما استحالة خطابه ; فلأن خطابه يستدعي مخاطبا ومخاطبا ، والمخاطب بفتح الطاء هاهنا منتف ; فاستحال الخطاب لانتفاء ركنه .

                وأما استحالة تكليفه ; فلأن الخطاب من لوازمه ، واستحالة اللازم يقتضي استحالة الملزوم .

                - قوله : " قلنا : لا نسلم " ، إلى آخره : أي : لا نسلم استحالة خطاب المعدوم بالمعنى الذي فسرناه ، إنما يستحيل بمعنى مشافهته في حال عدمه ، لكنا لا نقول به ، إنما نقول بخطابه ، بمعنى أن الشرع استدعى منه الفعل إذا وجد وكلف ; فخطابه في التحقيق ، إنما هو بعد وجوده ، " سلمناه " ، أي : سلمنا استحالة خطاب المعدوم ، لكن لا مطلقا ، بل هو مستحيل " من غير الله سبحانه وتعالى " ، أما من الله عز وجل ; فلا يستحيل خطابه " لتحققه " ، أي : لتحقق الله عز وجل " وجود المكلف ، وكمال قدرته على إيجاده " ; فهو كالموجود في علمه في الحال ، بخلاف غيره " لا سيما على قول المعتزلة " ، أو جماعة منهم : " إن المعدوم شيء " ، حتى قال بعضهم : هو عرض قائم بجوهر ، " وإن تأثير القدرة الإلهية ليست في إيجاد معدوم ، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء " ، أي : إن الأشياء خفية في العدم ; فيظهرها الله عز وجل ويجليها ، كما قال الله عز وجل في الساعة التي نسميها الآن معدومة : إن زلزلة الساعة شيء عظيم [ الحج : 1 ] ; فسماها شيئا ، ثم قال [ ص: 422 ] في موضع آخر : لا يجليها لوقتها إلا هو [ الأعراف : 187 ] ، وفي موضع آخر : إن الساعة آتية أكاد أخفيها [ طه : 15 ] ، بفتح الهمزة عند بعض القراء ، أي : أظهرها ، وإذا كان معنى إيجاد المعدوم عندهم هو إظهار أشياء بعد خفائها ; فما المانع من توجه الخطاب الأزلي إلى تلك الأشياء ، بشرط ظهورها وتأهلها للامتثال ، هذا مما لا مانع منه ، وهو لازم لمن قال به من المعتزلة ، على ما حكيته عنهم في كتاب إبطال التحسين والتقبيح .

                قوله : " ولأن الإنسان " ، إلى آخره . هذا دليل آخر عرفي على الجواز ، وهو أن الإنسان يجوز أن يخاطب ولدا يتوقع وجوده ، مثل أن يدركه الموت ، أو غيبة طويلة وله حمل ; فيكتب له كتابا يخاطبه به ، بتقدير ولادته ، يقول فيه : يا بني تعلم العلم ; فإنه يزينك ، واحذر الجهل ; فإنه يشينك ، وحافظ على التقوى ; فإنها تنجيك مما تحذر ، ولا تعذر نفسك في مواقعة الدناءة ; فإنك لا تعذر ، وأشباه ذلك مما يعظ به الوالد ولده " ولا يعد سفيها " بأن يقال له : خاطبت معدوما ; فكذلك المكلف مع الشرع ، والله تعالى أعلم بالصواب .




                الخدمات العلمية