الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 370 ] الثانية : صيغة الأمر الواردة بعد الحظر للإباحة ، وهو ظاهر قول الشافعي ، ولما هي له قبل الحظر عند الأكثرين .

                وقيل : إن ورد بصيغة افعل فكالأول للعرف ، وإلا فكالثاني ، نحو : أنتم مأمورون بكذا ، لعدمه فيه ، والحق اقتضاؤها الإباحة عرفا لا لغة .

                لنا : فهم الإباحة من قول السيد لعبده : كل هذا الطعام بعد منعه منه ، وهو في الشرع غالبا كذلك ، نحو : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) [ المائدة : 2 ] ، ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ) [ الجمعة : 10 ] ، ( فإذا تطهرن فأتوهن ) [ البقرة : 222 ] ، ونحوها ، واستفادة وجوب قتال المشركين ، من : فقاتلوا أئمة الكفر [ التوبة : 12 ] ونحوها ، لا من فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [ التوبة : 5 ] .

                وفي اقتضاء النهي بعد الأمر التحريم أو الكراهة خلاف ، ويحتمل التفصيل المذكور أيضا ، والأشبه التحريم إذ هذا رفع للإذن بكليته ، وما قبله رفع للمنع ; فيبقى الإذن ، والله سبحانه أعلم .

                التالي السابق


                المسألة " الثانية : صيغة الأمر الواردة بعد الحظر للإباحة ، وهو ظاهر قول الشافعي ، ولما هي له قبل الحظر " ، يعني من إيجاب أو إباحة " عند الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين " ، أي : إن كانت قبل الحظر للوجوب ; فهي له بعد الحظر وإن كانت للإباحة فكذلك بعده .

                " وقيل : إن ورد " ، يعني الأمر بعد الحظر ، " بصيغة افعل فكالأول " ، أي : يكون للإباحة " للعرف " ، أي : لأن العرف يقتضي ذلك ، لما سيأتي إن شاء الله عز وجل . " وإلا " ، أي : وإن لم يرد بعد الحظر بصيغة افعل " فكالثاني " ، [ ص: 371 ] أي : فهو كالثاني ، أي : يكون لما كان له قبل الحظر ، من وجوب ، أو إباحة " نحو : أنتم مأمورون بكذا " ، إذ هذا لفظه لفظ الخبر ، لا الأمر ، " لعدمه " أي : لعدم العرف فيه بخلاف الوارد بصيغة الأمر . هذا نقل " المختصر " وأصله .

                وقال القرافي : إذا ورد الأمر بعد الحظر ، اقتضى الوجوب عند الباجي ، ومتقدمي أصحاب مالك ، وأصحاب الشافعي ، والإمام فخر الدين ، وهو للإباحة عند جماعة من أصحابنا ، وأصحاب الشافعي .

                وحكى الآمدي الوجوب ، والإباحة ، والوقف ، واختاره .

                قوله : " والحق اقتضاؤها الإباحة عرفا ، لا لغة " . هذا تفصيل اخترته ، وهو أن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة ، من حيث العرف ، لا اللغة ، إذ هو من حيث اللغة يقتضي الوجوب ، كما سبق . وهذا جمع بين القولين .

                قوله : " لنا : فهم الإباحة من قول السيد " . هذا دليل الإباحة .

                وتقريره : أن السيد إذا منع عبده من طعام ، ثم قال له : كله ; فإنه يفهم منه الإباحة ; فدل على أن ذلك مقتضاه لغة ، أو عرفا ، أي ذلك كان ، حصل المقصود .

                قوله : " وهو في الشرع غالبا كذلك " : هذا استدلال بالوقوع ، أي : والأمر الوارد في الشرع بعد الحظر غالبا ، أي : في غالب موارده كذلك ، أي : للإباحة ; فقد تطابق الدليل والوقوع ، وذلك نحو قوله عز وجل : وإذا حللتم فاصطادوا بعد [ ص: 372 ] قوله : غير محلي الصيد وأنتم حرم [ المائدة : 1 ] ; ففهم منه إباحة الصيد ، وقوله سبحانه وتعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض [ الجمعة : 10 ] ، اقتضى إباحة الانتشار بعد المنع منه ، وقوله عز وجل : فإذا تطهرن فأتوهن [ البقرة : 222 ] ، اقتضى إباحة الوطء بعد قوله : ولا تقربوهن حتى يطهرن ، ونحو ذلك من موارد هذه الصيغة بعد الحظر ، هو للإباحة ; فلتكن هي مقتضاه .

                - قوله : " واستفادة وجوب قتال المشركين من : فقاتلوا أئمة الكفر ، ونحوها ، لا من : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين

                هذا جواب سؤال مقدر ، وهو أن يقال : استفدنا من قوله عز وجل : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين [ التوبة : 5 ] ، وجوب قتلهم بعد أن كان ممنوعا منه ، بحكم العهد ; فليكن ذلك مقتضاه ، ويترجح هذا بأنه موافق للأصل في الأمر ، وهو الوجوب كما سبق .

                والجواب ما ذكر ، وهو أن وجوب قتل المشركين بعد منعه ، لم نستفده من قوله عز وجل : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ، بل من قوله عز وجل : فقاتلوا أئمة الكفر [ التوبة : 12 ] ، ونحوها من الآيات ، المتضمنة للأمر بالقتال والقتل ، نحو : واقتلوهم حيث ثقفتموهم [ البقرة : 191 ] ، ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين [ التحريم : 9 ] ، ياأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار [ التوبة : 123 ] ، وهو كثير ، ولو تركنا وظاهر قوله عز وجل : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين من حيث العرف ، لما فهمنا إلا إباحة قتالهم ، وإنما جاء الوجوب من دليل خارج .

                وحاصل الأمر : أن هذه الصيغة من حيث اللغة تقتضي الوجوب ، أما من حيث العرف ; فتقتضي الإباحة ، فإن دلت على وجوب ، كوجوب قتال [ ص: 373 ] المشركين من الآية المذكورة ، أو على ندب ، كقوله سبحانه وتعالى : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله [ النساء : 103 ] ، فإن ذكر الله سبحانه مندوب على جميع الأحوال ; فذلك دليل آخر .

                - قوله : " وفي اقتضاء النهي بعد الأمر ، التحريم أو الكراهة ، خلاف " . هذه عكس التي قبلها ; لأن تلك في ورود صيغة الأمر بعد الحظر ، وهذه في ورود النهي بعد الأمر ، كما إذا قال : صل ، ثم قال : لا تصل ، هل يقتضي التحريم عملا بمقتضى النهي ، أو الكراهة ، كما اقتضى الأمر بعد الحظر الإباحة ؟ فيه خلاف .

                قوله : " ويحتمل التفصيل المذكور أيضا " ، أي : يحتمل أن يفصل هنا ، كما فصل في الأمر الوارد بعد الحظر ; فيقال هاهنا : إن النهي بعد الأمر يقتضي الكراهة عرفا ، والتحريم لغة ، كما قلنا هناك : إن الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة عرفا والوجوب لغة ; وذلك لأن الحظر هناك لما كان قرينة في حمل الأمر الوارد بعده على الإباحة ، كذلك الأمر هنا قرينة في حمل النهي الوارد بعده على الكراهة .

                - قوله : " والأشبه التحريم " إلى آخره ، أي : الأشبه في النظر ، أن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم ، بخلاف الأمر بعد الحظر ، حيث لم يقتض الوجوب عرفا .

                وتقرير الفرق : أنه مثلا إذا قال له : صم ، ثم قال له : لا تصم ; فقد رفع بهذا النهي الإذن له أولا في الصوم بكليته . وإذا قال له : لا تصد ، ثم قال له : صد ; فهاهنا لم يرفع الإذن في الصيد بكليته ، بل رفع المنع منه ; فبقي الإذن فيه ، وهو الإباحة ، والله سبحانه أعلم .




                الخدمات العلمية