الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 314 ]

                لنا : القطع بجواز قول السيد لعبده : افعل اليوم كذا ، في أي جزء شئت منه ، وأنت مطيع إن فعلت ، وعاص إن خرج اليوم ولم تفعل ، وأيضا ، النص قيد الوجوب بجميع الوقت ، فتخصيص بعضه بالإيجاب تحكم .

                قالوا : جواز الترك في بعض الوقت ينافي الوجوب فيه ، فدل على اختصاص الوجوب بالجزء الذي لا يجوز الترك فيه ، وهو آخره ، وجواز تقديم الفعل عليه رخصة ، كتعجيل الزكاة .

                قلنا : مع اشتراط العزم على الفعل ، لا نسلم منافاة الترك الوجوب .

                قالوا : لا دليل في النص على وجوب العزم ، فإيجابه زيادة على النص .

                قلنا : ما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، وأيضا ، لما حرم العزم على ترك الطاعة ، حرم ترك العزم عليها ، وفعل ما يحرم تركه واجب ، ومحذور الزيادة على النص ، كونه نسخا عندكم ، ونحن نمنعه .

                التالي السابق


                " لنا : القطع بجواز قول السيد لعبده : افعل اليوم كذا " مثل أن قال : ابن لي هذا الحائط ، أو خط لي هذا الثوب " في أي جزء شئت منه وأنت مطيع إن فعلت ، وعاص إن خرج اليوم ولم تفعل " فإن كان الإنكار لجوازه عقلا ، فهذا دليل العقل قاطع في جوازه ، وإن كان الإنكار له شرعا ، فدليل الشرع قد دل عليه " أيضا " وذلك لأن " النص قيد الوجوب بجميع الوقت " في قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل [ الإسراء : 78 ] ، وقوله سبحانه وتعالى : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها [ طه : 130 ] ، وقوله - عليه السلام - للأعرابي حين سأله عن مواقيت الصلاة فبين له بفعله في اليومين ، ثم قال له : الوقت ما بين [ ص: 315 ] هذين يعني : ما بين أول الوقت وآخره كما دل عليه الحديث ، وإذا قيد النص الوجوب بجميع الوقت " فتخصيص بعضه " بأنه وقت الوجوب " تحكم " على النص بالتخصيص .

                " قالوا : جواز الترك " إلى آخره . هذا حجة من أنكر الموسع ، وهو أن جواز ترك الفعل في بعض الوقت ينافي وجوبه فيه ، لأن الواجب في زمن لا يجوز تركه فيه ، وإلا لكان الواجب غير واجب ، وهو محال ، فدل ذلك على اختصاص وجوب الفعل بالجزء الذي لا يجوز تركه فيه من الوقت ، وهو آخره .

                وأما جواز تقديم الفعل على آخر الوقت كفعل الصلوات في أول أوقاتها فهو رخصة ، كتعجيل الزكاة قبل تمام الحول ، العام والعامين ، وتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى بالجمع .

                " قلنا : مع اشتراط العزم " إلى آخره ، أي : قلنا : جواز الترك في بعض الوقت ينافي الوجوب فيه ، مع اشتراط العزم على الفعل في آخره ، أو مع عدم اشتراطه .

                الأول : ممنوع ، فإنا لا نسلم أن مع اشتراط العزم ، ينافي ترك الفعل في بعض الوقت وجوبه فيه ، لأن الترك إنما ينافي الوجوب إذا خلا الوقت من الواجب أو بدله ، ومع اشتراط العزم لم يخل الوقت منهما ، لأن تعجيل الفعل في أول الوقت وإن فات ، لكن بدله - وهو العزم - لم يفت .

                والثاني : وهو جواز الترك مع عدم اشتراط العزم ، مسلم أنه ينافي الوجوب ، لكنا [ ص: 316 ] لا نقول به .

                " قالوا : لا دليل في النص " إلى آخره ، هذا منع لاشتراط العزم على الفعل .

                وتقريره ، أنه لا دليل في النص على وجوب العزم على الفعل في آخر الوقت إذا ترك في أوله ، لأن النصوص المذكورة في المواقيت إنما دلت على إيقاع العبادة في الوقت ، فإيجاب العزم زيادة على النص ، فيحتاج إلى دليل .

                " قلنا " يعني في الدلالة على اشتراط العزم ، وذلك من وجهين :

                أحدهما : أن " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " ، والعزم ههنا لا يتم الواجب إلا به ، فيكون واجبا .

                أما الأولى : فسيأتي تقريرها في مكانها إن شاء الله تعالى .

                وأما الثانية : فتقرر ببيان الوجه الثاني ، وهو أنه " لما حرم العزم على ترك الطاعة ، حرم ترك العزم عليها " فكما يحرم عليه أن يعزم على ترك الصلاة عند دخول وقتها ، يحرم عليه أن يترك الآن العزم على فعلها إذا دخل وقتها ، لأن التكليف الشرعي متوجه إلى الأبدان بالأفعال ، وإلى القلوب بالنيات والعزائم ، ولأن ترك العزم على الطاعة تهاون بأمر الشرع ، فيكون حراما وإذا حرم ترك العزم على الطاعة ، كان العزم عليها واجبا ، لأن " فعل ما يحرم تركه واجب " والحرام يجب تركه ، [ ص: 317 ] ولا يمكن تركه إلا بفعل ضده ، والحرام هنا ترك العزم ، فيكون تركه بفعل العزم واجبا ، وهو المطلوب .

                قوله : " ومحذور الزيادة على النص " إلى آخره ، هذا جواب عن قولهم : إيجاب العزم زيادة على النص ، ومعنى الجواب : أنه إن كان زيادة على النص ، فإنه لا يضرنا ، لأن المحذور منه كون الزيادة على النص نسخا ، وهو غير جائز عندكم ، ونحن نمنع ذلك ، كما سيأتي في كتاب النسخ إن شاء الله تعالى .

                واعلم أن للمانعين من اشتراط العزم في الواجب الموسع أسئلة :

                أحدها : أن المكلف إما أن يعزم على ترك العبادة في وقتها ، فيكون عاصيا ، أو على فعلها ، فيكون مطيعا ، أو لا على تركها ولا فعلها ، وهذه الحال واسطة بين طرفين ، فلم قلتم : إنها حرام ، مع أن ترك العزم على الصلاة يساوي العزم على تركها ؟

                والجواب عن هذا ، قد لاح مما سبق ونزيده إيضاحا بطريق آخر ، وهو أن العزم على العبادة من أسباب إيقاعها ، وإيقاعها واجب ، وسبب الواجب واجب ، وإنما قلنا : إن العزم عليها من أسباب إيقاعها ، لأن سبب الفعل ما توصل به إليه ، وأعان عليه . والعزم على العبادة يتوصل به إليها ، ويعين عليها ، فيكون من أسبابها ، فيكون واجبا .

                ثم إن لنا منع تصور الواسطة المذكورة ، وذلك لأن الشخص إن كان ساهيا [ ص: 318 ] أو غافلا ، فليس مكلفا ، وإن كان ذاكرا متيقظا عالما بأنه مخاطب بالصلاة ، فهذا لا يخلو من قصد يتعلق بها ، فإما أن يتعلق قصده بأن يفعلها في آخر الوقت ، أو بأن لا يفعلها ، والواسطة التي وسطتموها مبنية على صلاة من قصد ، وهو ممنوع .

                السؤال الثاني : أن العزم إما أن يكون بدلا عن أصل الفعل ، أو عن تعجيله ، فإن كان بدلا عن الفعل ، لزم سقوطه بالكلية ، وأن لا يجب فعله آخر الوقت ، لئلا يجتمع البدل والمبدل ، وإن كان بدلا عن تعجيل الفعل ، فقد صار مخيرا بين تعجيله وتأخيره مع العزم على فعله آخر الوقت ، فاستحالت المسألة ، وانتقلت إلى مسألة الواجب المخير ، وزال الواجب الموسع بالكلية ، وصارت المسألتان واحدة .

                والجواب : أن العزم بدل عن تعجيل الفعل ، لا عن أصله ، وهو مخير بين التعجيل ، والتأخير مع العزم ، وذلك لا يقتضي زوال الواجب الموسع بالكلية ، ولا ينافيه ، بل الواجب الموسع ثابت ، وله نظر إلى المخير من هذا الوجه ، وتعلق به .

                أو نقول : هو موسع من وجه ، مخير من وجه ، وإذا ثبت التخيير ، انبنى عليه التوسيع . وسنبين إن شاء الله تعالى أن بين الموسع والمخير وفرض الكفاية قدرا مشتركا ، تصير جميعها من جهته من باب واحد .

                السؤال الثالث : أن وجوب العزم على فعل الطاعات من أحكام الإيمان العامة ، لا من خصائص الواجب الموسع .

                والجواب : أن هذا لا ينفي اشتراطه وبدليته في الواجب الموسع إما من [ ص: 319 ] الجهة العامة ، وهي جهة كون الواجب إيمانا ، أو من أعمال الإيمان ، أو من الجهة الخاصة ، وهي كونه شرطا ، وبدلا في الموسع ، ويكون ثبوته بشيئين : عام وخاص .




                الخدمات العلمية