الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 124 ] كتاب قطاع الطريق الأصل في حكمهم قول الله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } . وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء ، نزلت في قطاع الطريق من المسلمين . وبه يقول مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وحكي عن ابن عمر أنه قال : نزلت هذه الآية في المرتدين . وحكي ذلك عن الحسن ، وعطاء ، وعبد الكريم ; لأن سبب نزولها قصة العرنيين ، وكانوا ارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الرعاة ، فاستاقوا إبل الصدقة ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، وألقاهم في الحرة حتى ماتوا . قال أنس : فأنزل الله تعالى في ذلك : { إنما جزاء الذين يحاربون الله } الآية . أخرجه أبو داود ، والنسائي . ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين . ولنا قول الله تعالى : { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } . والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة ، كما تقبل قبلها ، ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال ، والمحاربة قد تكون من المسلمين ; بدليل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله . }

( 7321 ) مسألة : قال : ( والمحاربون الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء ، فيغصبونهم المال مجاهرة ) وجملته أن المحاربين الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد ، تعتبر لهم شروط ثلاثة ; أحدها : أن يكون ذلك في الصحراء ، فإن كان ذلك منهم في القرى والأمصار ، فقد توقف أحمد - رحمه الله - فيهم وظاهر كلام الخرقي أنهم غير محاربين . وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، وإسحاق ; لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق ، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ; ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالبا ، فتذهب شوكة المعتدين ، ويكونون مختلسين ، والمختلس ليس بقاطع ، ولا حد عليه .

وقال كثير من أصحابنا : هو قاطع حيث كان . وبه قال الأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، وأبو يوسف ، وأبو ثور ; لتناول الآية بعمومها كل محارب ; ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم خوفا ، وأكثر ضررا ، فكان بذلك أولى .

وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر ، مثل أن كبسوا دارا ، فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا أدركهم الغوث ، فليس هؤلاء بقطاع طريق ; لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة ، وإن حصروا قرية أو بلدا ففتحوه [ ص: 125 ] وغلبوا على أهله ، أو محلة منفردة ، بحيث لا يدركهم الغوث عادة ، فهم محاربون ; لأنهم لا يلحقهم الغوث ، فأشبه قطاع الطريق في الصحراء . الشرط الثاني : أن يكون معهم سلاح ، فإن لم يكن معهم سلاح ، فهم غير محاربين ; لأنهم لا يمنعون من يقصدهم . ولا نعلم في هذا خلافا . فإن عرضوا بالعصي والحجارة ، فهم محاربون . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور . وقال أبو حنيفة : ليسوا محاربين ; لأنه لا سلاح معهم .

ولنا أن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف ، فأشبه الحديد . الشرط الثالث : أن يأتوا مجاهرة ، ويأخذوا المال قهرا فأما إن أخذوه مختفين ، فهم سراق ، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون ، لا قطع عليهم . وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة ، فاستلبوا منها شيئا ، فليسوا بمحاربين ; لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة . وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم ، فهم قطاع طريق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث