الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 7914 ) فصل : ويشترط في المسابقة بالحيوان تحديد المسافة ، وأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها ; لأن الغرض معرفة أسبقهما ، ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية ، ولأن أحدهما قد يكون مقصرا في أول عدوه ، سريعا في انتهائه ، وقد يكون بضد ذلك ، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه ، ومن الخيل ما هو أصبر ، والقارح أصبر من غيره . وقد روى ابن عمر ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل ، وفضل القرح في الغاية } . رواه أبو داود . وسبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع ، وذلك ستة أميال أو سبعة ، وبين التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وذلك ميل أو نحوه .

                                                                                                                                            فإن استبقا بغير غاية ، لينظر أيهما يقف أولا ، لم يجز ; لأنه يؤدي إلى أن لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه ، ويتعذر الإشهاد على السبق فيه . ويشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعة واحدة ، فإن أرسل أحدهما قبل الآخر ، ليعلم هل يدركه الآخر أو لا لم يجز هذا في المسابقة بعوض ; لأنه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه ، لبعد المسافة بينهما . ويكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما ، ويرتبهما ، وعند الغاية من يضبط السابق منهما ; لئلا يختلفا في ذلك .

                                                                                                                                            ويحصل السبق في الخيل بالرأس إذا تماثلت الأعناق ، فإن اختلفا في طول العنق ، أو كان ذلك في الإبل ، اعتبر السبق بالكتف ; لأن الاعتبار بالرأس متعذر ، فإن طويل العنق قد يسبق رأسه لطول عنقه ، لا لسرعة عدوه . وفي الإبل ما يرفع رأسه ، وفيها ما يمد عنقه ، فربما سبق رأسه لمد عنقه ، لا لسبقه ، فلذلك اعتبرنا الكتف ، فإن سبق رأس قصير العنق فهو سابق ; لأن من ضرورة ذلك كونه سابقا ، وإن سبق طويل العنق بأكثر مما بينهما في طول العنق ، فقد سبق ، وإن كان بقدره لم يسبقه ، وإن كان أقل ، فالآخر السابق . ونحو هذا كله قول الشافعي وقال الثوري : إذا سبق أحدهما بالأذن كان سابقا . ولا يصح ; لأن أحدهما قد يرفع رأسه ويمد الآخر عنقه ، فيكون سابقا بأذنه لذلك لا لسبقه . وإن شرطا السبق بأقدام معلومة ، كثلاثة أو أكثر أو أقل ، لم يصح . وقال بعض أصحاب الشافعي : يصح ، ويتخاطان ذلك ، كما في الرمي . وليس بصحيح ; لأن هذا لا ينضبط ، ولا يقف الفرسان عند الغاية ، بحيث يعرف مساحة ما بينهما .

                                                                                                                                            وقد روى الدارقطني ، بإسناده عن علي رضي الله عنه { ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي قد جعلت لك هذه السبقة بين الناس } . فخرج علي فدعا سراقة بن مالك ، فقال : يا سراقة ، إني قد جعلت إليك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم في عنقي من هذه السبقة في عنقك ، فإذا أتيت الميطان - قال أبو عبد الرحمن الميطان مرسلها من الغاية - فصف الخيل ، ثم ناد : هل من مصلح للجام ، أو حامل لغلام ، أو طارح لجل . فإذا لم يجبك أحد ، فكبر ثلاثا ، ثم خلها عند الثالثة ، فيسعد الله بسبقه من شاء من خلقه . وكان علي يقعد على منتهى الغاية يخط خطا ، ويقيم رجلين متقابلين عند طرف الخط طرفيه بين إبهامي أرجلهما ، وتمر الخيل بين الرجلين ، ويقول لهما : إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه ، أو أذن ، أو عذار [ ص: 374 ] فاجعلا السبقة له ، فإن شككتما ، فاجعلوا سبقهما نصفين ، فإذا قرنتم ثنتين ، فاجعلا الغاية من غاية أصغر الثنتين ، ولا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام . وهذا الأدب الذي ذكره في هذا الحديث ، في ابتداء الإرسال وانتهاء الغاية ، من أحسن ما قيل في هذا ، وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في قضية أمره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوضها إليه ، فينبغي أن تتبع ، ويعمل بها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية