الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة : هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء ، وكذا قوله : ( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) [ فصلت : 9 ] إلى قوله تعالى : ( ثم استوى إلى السماء ) ، وقال في سورة النازعات : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها ) [ النازعات : 27 : 30 ] ، وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء ، وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء ؛ لأن التدحية هي البسط ، ولقائل أن يقول : هذا أمر مشكل من وجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية ، وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضا لا محالة متأخرا عن خلق السماء .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن قوله تعالى : ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ) يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء ، لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة ، فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذ يتحقق التناقض .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : أن قوله تعالى : ( والأرض بعد ذلك دحاها ) يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها ) يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدما على تدحية الأرض ، ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض ، فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض ، وحينئذ يعود السؤال .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله : " ثم " ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم ، فكذا ههنا والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : الضمير في " فسواهن " ضمير مبهم ، وسبع سماوات تفسير له ، كقوله : ربه رجلا ، وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولا ؛ لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه ، وفي البيان [ ص: 144 ] بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف ، وقيل : الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى الجنس ، وقيل : جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ، ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية