الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 377 - 381 ] قال : ( ومن العين ألف دينار ومن الورق عشرة آلاف درهم ) وقال الشافعي رحمه الله : من الورق اثنا عشر ألفا لما روى ابن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به }. [ ص: 382 ]

                                                                                                        ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم } ، وتأويل ما روي أنه قضى من دراهم كان وزنها وزن ستة ، وقد كانت كذلك . [ ص: 383 ]

                                                                                                        قال : ( ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ، ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان ) لأن عمر رضي الله عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها ، وله أن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية ، وهذه الأشياء مجهولة المالية ، ولهذا لا يقدر بها ضمان . [ ص: 384 ]

                                                                                                        والتقدير بالإبل عرف بالآثار المشهورة وعدمناها في غيرها ، وذكر في المعاقل أنه لو صالح على الزيادة على مائتي حلة أو مائتي بقرة لا يجوز وهذا آية التقدير بذلك ، ثم قيل : هو قول الكل فيرتفع الخلاف ، وقيل هو قولهما خاصة .

                                                                                                        [ ص: 381 ]

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        [ ص: 381 ] الحديث الرابع : روي عن ابن عباس { أنه عليه السلام قضى في الدية من الورق : اثنا عشر ألفا }; قلت : أخرج أصحاب السنن الأربعة عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس { أن رجلا من بني عدي قتل ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا }انتهى .

                                                                                                        قال أبو داود : ورواه ابن عيينة عن عكرمة ، ولم يذكر ابن عباس انتهى . وقال الترمذي : لا نعلم أحدا يذكر في هذا الإسناد ابن عباس غير محمد بن مسلم ، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان عن عمرو عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، ورواه النسائي أخبرنا محمد بن ميمون المكي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة ، سمعناه مرة يقول عن ابن عباس به : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باثني عشر ألفا في الدية }انتهى .

                                                                                                        قال : ومحمد بن ميمون ليس بالقوي في الحديث انتهى . وكذلك رواه الدارقطني في " سننه " ، وقال أبو حاتم : كان محمد بن ميمون أبو عبد الله المكي الخياط أميا مغفلا ، وذكره ابن حبان في " الثقات " ، وقال : ربما وهم ، وقال النسائي : صالح ، ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي : أخرج له البخاري في " المبايعة " ، ومسلم في " الاستشهاد " ووثقه ابن معين ، وقال مرة : إذا حدث من حفظه يخطئ ، وإذا حدث من كتابه فلا بأس به ، وضعفه أحمد ، وقال النسائي : الصواب مرسل ، وقال ابن حبان المرسل أصح ، وقال ابن أبي حاتم في " علله " : قال أبي : المرسل أصح انتهى .

                                                                                                        قوله : وتأويله أنه قضى من دراهم كان وزنها ستة ، وهي كانت كذلك ; قلت : روى البيهقي من طريق الشافعي ، قال : قال محمد بن الحسن : بلغنا عن عمر أنه فرض على أهل الذهب في الدية ألف دينار ، ومن الورق عشرة آلاف درهم ، حدثنا بذلك [ ص: 382 ] أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عمر ، قال : وقال أهل المدينة : فرض عمر على أهل الورق اثني عشر ألف درهم ، قال محمد بن الحسن : صدقوا ، ولكنه فرضها اثني عشر ألفا وزن ستة ، فذلك عشرة آلاف ، قال محمد بن الحسن : أخبرني الثوري عن مغيرة الضبي عن إبراهيم ، قال : كانت الدية : الإبل ، كل بعير مائة وعشرين درهما ، وزن ستة ، فذلك عشرة آلاف درهم ، قال : وقيل لشريك : إن رجلا من المسلمين عانق رجلا من العدو فضربه ، فأصاب رجلا منا ، فسلت وجهه ، حتى وقع ذلك على حاجبيه ، وأنفه ، ولحيته ، وصدره ، فقضى فيه عثمان بالدية اثني عشر ألفا ، وكانت الدراهم يومئذ وزن ستة ، قال البيهقي : الرواية فيه عن عمر منقطعة ، وكذلك عن عثمان ، وروى عن أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال في باب الصدقة " قال : حدثت عن شريك عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة { عن علي ، قال : زوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة على أربعمائة وثمانين درهما ، وزن ستة }انتهى . قال أبو عبيد : كانت الدراهم أولا العشرة منها وزن ستة مثاقيل ، ثم نقلت إلى سبعة مثاقيل ، واستقرت على ذلك إلى يومنا ، وبسط الكلام ، وقد لخصناه في " باب زكاة الفضة " وفي " التجريد " للقدوري : لا خلاف أن الدية ألف دينار ، وكل دينار عشرة دراهم ، ولهذا جعل نصاب الذهب عشرين دينارا ، ونصاب الورق مائتي درهم انتهى .

                                                                                                        الحديث الخامس : روي عن عمر { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية في القتيل بعشرة آلاف درهم }; قلت : غريب ، وروى محمد بن الحسن في " كتاب الآثار " أخبرنا أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عبيدة السلماني ، قال : وضع عمر الديات على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة مسنة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائة حلة انتهى .

                                                                                                        ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا وكيع ثنا ابن أبي ليلى عن [ ص: 383 ] الشعبي عن عبيدة به ، وأخرجه البيهقي .

                                                                                                        قوله : روي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل في الدية من البقر مائتي بقرة ، ومن الغنم ألفي شاة ، ومن الحلل مائتي حلة ; قلت : أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : { كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار ، أو ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين ، قال : وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيبا فقال : ألا إن الإبل قد غلت ، قال : ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، قال : وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية }انتهى . وتقدم له طريق آخر في الأثر الذي قبل هذا ; وروى عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج أخبرنا عبد العزيز بن عمر أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب شاور السلف حين جند الأجناد ، فكتب أن على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم ، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ، أو قيمة ذلك انتهى .

                                                                                                        أخبرنا سفيان الثوري عن أيوب بن موسى عن مكحول أن عمر بن الخطاب ، قال : الدية اثنا عشر ألفا على أهل الدراهم ، وعلى أهل الدنانير ألف دينار ، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفا شاة ، وعلى أهل الحلل مائتا حلة انتهى .

                                                                                                        وفي الباب حديث مرفوع :

                                                                                                        أخرجه أبو داود عن محمد بن إسحاق قال : ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله أنه قال : { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل [ ص: 384 ] مائتي حلة ، وعلى أهل الطعام شيئا لم يحفظه محمد بن إسحاق }انتهى .

                                                                                                        قال المنذري : لم يذكر ابن إسحاق من حدثه به عن عطاء ، فهو منقطع ، وأخرجه أيضا عن ابن إسحاق عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ، فذكر نحوه ، قال المنذري : مرسل ، وفيه ابن إسحاق . قوله : والتقدير بالإبل عرف بالآثار المشهورة : قلت : تقدم من ذلك ما فيه الكفاية .




                                                                                                        الخدمات العلمية