الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 127 ] الفصل السادس

          في الأحكام الثابتة بخطاب الوضع والأخبار وهي على أصناف :

          الصنف الأول : الحكم على الوصف بكونه سببا

          والسبب في اللغة عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما .

          ومنه سمي الحبل سببا والطريق سببا ; لإمكان التوصل بهما إلى المقصود . وإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة ، وهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي . ولا يخفى ما فيه من الاحتراز .

          وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة عليه ، كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة في قوله تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) وفي قوله عليه السلام : " إذا زالت الشمس فصلوا " ، وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، وقوله عليه السلام : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " ونحوه .

          وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ لا لتحريم شرب الخمر في الأصل المقيس عليه ، فإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الإجماع لا بالشدة المطربة [1] ، ولأنها لو كانت معرفة له فهي لا يعرف كونها علة بالاستنباط إلا بعد معرفة الحكم في الأصل ، وذلك دور ممتنع .

          وعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية ، بل حكم الشرع عليه بالسببية .

          وعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الأدلة السمعية ، فلله تعالى فيها حكمان : أحدهما الحكم المعرف بالسبب ، والآخر السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم ، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم [ ص: 128 ] عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع بعد انقطاع الوحي ، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية [2] ، وسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم ، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات ، أو غير متكرر به كالاستطاعة في الحج ونحوه ، وسواء كان وصفا وجوديا أو عدميا شرعيا أو غير شرعي ، على ما يأتي تحقيقه في القياس .

          وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم فليس معناه أنه يوجبه لذاته وصفة نفسه وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع ، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير [3] ، كما ذكرناه في تحديده .

          فإن قيل : لو كانت السببية حكما شرعيا لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها ، ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر - وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم إما يعرفه بنفسه أو بصفة زائدة - وإما التسلسل وهو محال .

          فإن كان الأول لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال ، وإن كان بصفة زائدة عليه فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول وهو تسلسل ممتنع ، وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم إنما هو ما يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة ، وذلك ممتنع لوجهين : الأول : أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية لأمكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف ، وليس كذلك بالإجماع .

          الثاني : أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة .

          فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها وهو معرفة السببية ، وإن كان الثاني فلا بد لها من معرف آخر لخفائها ، والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه .

          [ ص: 129 ] قلنا : معرفة السببية مستندة إلى الخطاب [4] أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة [5] ، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور أو التسلسل ، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني [6] أيضا .

          [7] وأما الوجه الأول من الإشكال الثالث : فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة للسببية ليس مطلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم ، فلا تكون بمجردها معرفة للحكم ، فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف ، فلا يمكن تعريف الحكم بها لعدم الوقوف على ما به التعريف لاضطرابها واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان ، وما هذا شأنه فدأب [8] الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعا للعسر والحرج عنهم .

          وأما الوجه الثاني منه : فالوجه في دفعه أن يقال : الحكمة إذا كانت مضبوطة بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر ، ولا يلزم من تقدمها على ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع ، ولا اعتبار لها قبل ورود الشرع ، وإذا عرف معنى السبب شرعا فلو تخلف الحكم عنه في صورة من الصور فهل تبطل سببيته أم لا ؟ فسيأتي الكلام عليه في مسألة تخصيص العلة فيما بعد .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية