الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 54 ] القسمة الرابعة

          الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون أو يصح .

          فالأول : اسم العلم كزيد وعمرو .

          والثاني : إما أن لا يكون صفة أو هو صفة .

          والأول هو اسم الجنس ، وهو إما أن يكون عينا كالإنسان والفرس ، أو غير عين كالعلم والجهل .

          والصفة كالقائم والقاعد ، وهو الاسم المشتق ، والمشتق هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما ، وجعل دالا على ذلك المعنى وعلى موضوع له غير معين كتسمية الجسم الذي قام به السواد أسود ، والبياض أبيض ونحوه ، ولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك .

          وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق ؟ وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية لما قامت به ؟ فذلك مما أوجبه أصحابنا ونفاه المعتزلة ، حيث إنهم جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته ، ولم يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه ، وقد عرفنا مأخذ الخلاف من الجانبين ، وما هو الصحيح منه في " أبكار الأفكار " فليلتمس .

          [1] مسائل هذه القسمة مسألتان :

          المسألة الأولى

          في أن بقاء الصفة المشتق منها هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة أم لا ؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون ، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول وما ليس ممكنا ، فاشترط ذلك في الممكن دون غيره .

          [ ص: 55 ] احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه [2] صفة الضرب منه لما صح نفيه ، ويصح أن يقال : إنه في الحال ليس بضارب .

          ولقائل أن يقول : صحة سلب الضاربية عنه في الحال ، إنما يلزم منه سلبها عنه مطلقا ; إذ [3] لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال ، وهو غير مسلم ، وعند ذلك فلا يلزم من صحة سلب الأخص سلب الأعم .

          فإن قيل : " قول القائل هذا ضارب " لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال ، فإذا سلم صحة سلبه في الحال فهو المطلوب .

          قلنا : هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع ، بل الضارب هو من حصل له الضرب وهو أعم من حصول الضرب له في الحال ، فالضارب أعم من الضارب في الحال .

          فإن قيل : وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال ; لانقسامه إلى الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا ; لانقسامه في الحال والمستقبل ، فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الأعم ، فليكن اسم الضارب حقيقة قبل وجود الضرب منه ، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب .

          قلنا : الضارب حقيقة من حصل منه الضرب ، وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في الماضي أو الحال ، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل ، فإنه لا يصدق عليه أنه حصل منه الضرب ، وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب ، صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب ولم يوجد .

          واحتج النافون بوجوه :

          [ ص: 56 ] الأول : أن أهل اللغة قالوا : إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل ، فلا يقال ضارب زيدا أمس كما يقال بتقدير المستقبل ، بل يقال : ضارب زيد ، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي .

          الثاني : أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا ; لأن ذلك لا يصح إلا بعد تحقق الكلام منه والخبر ، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه ، ولا وجود للحروف السابقة مع الحرف الأخير أصلا ، ولا خفاء بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل وجود الكلام ، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود الكلام ، والخبر في تلك الحالة لما كان حقيقة أصلا ، وهو ممتنع وإلا لصح أن يقال : إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة ، ولما حنث من حلف أن فلانا لم يتكلم حقيقة وإنني لا أكلم فلانا حقيقة إذا كان قد تكلم أو كلمه .

          الثالث : إن الضارب من حصل منه الضرب ، ومن وجد منه الضرب في الماضي يصدق عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة .

          ولقائل أن يقول : أما الوجه الأول فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه أن يكون حقيقة ، ولهذا فإنهم قالوا : اسم الفاعل إذا كان بتقدير المستقبل عمل عمل الفعل ، فقيل : ضارب زيدا غدا وليس ذلك حقيقة بالاتفاق .

          وأما الوجه الثاني فغير لازم أيضا ; إذ للخصم أن يقول : شرط كون المشتق حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن ، وإلا فوجود آخر جزء منه ، وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه .

          وأما الثالث : فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا ، بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا ، ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة ; لما وجد منهم من الكفر السابق ، والقائم قاعدا ، والقاعد قائما ; لما وجد منه من القعود والقيام السابق ، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان .

          هذا ما عندي في هذه المسألة ، وعليك بالنظر والاعتبار .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية