الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله أولو الأرحام : هم أصحاب القرابة جمع رحم ( ككتف وقفل ) وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد من بطنها ، ويسمى به الأقارب ؛ لأنهم في الغالب من رحم واحد ، وفي اصطلاح علماء الفرائض : هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب وهم عشرة أصناف : الخال والخالة ، والجد للأم ، وولد البنت ، وولد الأخت ، وبنت الأخ ، وبنت العم ، والعمة ، والعم [ ص: 103 ] للأم ، وابن الأخ للأم ، ومن أدلى بأحد منهم . وقد اختلف علماء السلف والخلف في إرثهم لمن لا وارث له بما ذكر ، واستدل المثبتون بعموم هذه الآية فإنه يشملهم ، وكذا عموم قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ( 4 : 7 ) وبأحاديث آحادية في إرث الخال فيها مقال ، وبحديث " ابن أخت القوم منهم " وهو في الصحيحين وغيرهما وعليه أكثر العلماء ، وممن قال بتوريثهم من الصحابة : علي وابن مسعود وأبو الدرداء . ومن التابعين وأئمة الأمصار : مسروق ومحمد ابن الحنفية والنخعي والثوري وبعض أئمة العترة وأبو حنيفة وغيرهم ، وهو المختار عندي ولا سيما في هذا الزمان . وترى في كتب الفرائض ما يستحقه كل وارث منهم ، وروي عن ابن عباس أن هذه الآية وما قبلها نزلت في نسخ هذا الإرث وهذا مشهور عنه ، وهو من أضعف التفسير المروي عنه ـ رضي الله عنه ـ .

                          وروى البخاري وأبو داود والنسائي عنه في تفسير ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ( 4 : 33 ) أنه فسر الموالي بالورثة . ثم قال في تفسير والذين عقدت أيمانكم ( 4 : 33 ) : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهم ، فلما نزلت : ولكل جعلنا موالي ( 4 : 33 ) نسخت . ثم قال : والذين عقدت أيمانكم من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث فيوصى له اهـ . هذا لفظ البخاري في كتاب التفسير ، وهو أوضح من لفظه في كتاب الفرائض ، وفي كل منهما غموض وإشكال في إعرابه ومعناه . والمراد لنا منه أنه فسر المعاقدة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وبأن الناسخ لها هذه الآية . قال الحافظ في هذه الرواية : وحملها غيره على أعم من ذلك أي مما كانوا يتعاقدون عليه من الإرث ، ثم ذكر عنه مثل هذا وأن الناسخ له آية الأحزاب : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ( 33 : 6 ) وهي مفصلة وسورتها قد نزلت بعد سورة الأنفال ، وفيها الكلام على غزوة الأحزاب التي كانت بعد غزوة بدر بسنتين وقيل بثلاث سنين ، فالتحقيق أن آية الأنفال وسورتها نزلت قبل آيات الإرث وقبل سورتي النساء والأحزاب فهي مطلقة عامة .

                          والمعنى المتبادر من نص الآية وقرينة السياق أنها : في ولاية الرحم والقرابة ، بعد بيان ولاية الإيمان والهجرة ، فهو عز شأنه يقول : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض وأحق من المهاجرين والأنصار الأجانب بالتناصر والتعاون - وكذا التوارث في دار الهجرة في عهد وجوب الهجرة ثم في كل عهد - هم أولى بذلك في كتاب الله أي في حكمه الذي كتبه على عباده المؤمنين ، وأوجب به عليهم صلة الأرحام والوصية بالوالدين وذي القربى في هذه [ ص: 104 ] الآية وغيرها مما نزل قبلها وأكده فيما نزل بعدها كآية الأحزاب في معناها ، وكقوله بعد محرمات النكاح كتاب الله عليكم ( 3 : 24 ) فهو قد أوجبه في دين الفطرة ، كما جعله من مقتضى غرائز الفطرة ، فالقريب ذو الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاء قريبه وبره ، ومقدم عليهم في جميع أنواع الولايات المتعلقة بأمره كولاية النكاح وصلاة الجنازة وغير ذلك . وهذه الأولوية لا تقتضي عدم التوارث العارض بين المهاجرين والأنصار والمتعاقدين على أن يرث كل منهما الآخر كما كانت تفعل العرب ، وإذا وجد قريب وبعيد يستحقان البر والصلة فالقريب مقدم كما قال تعالى : وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ( 3 : 36 ) وقال رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه النسائي من حديث جابر بسند صحيح : ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك ، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك ، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا أي فللمستحق من كل جانب . وهذا موافق لقوله تعالى في وصف أولي الألباب من المؤمنين بالقرآن من سورة الرعد المكية : الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ( 13 : 20 ، 21 ) الآية . وعهد الله هنا يشمل جميع ما عهده إلى البشر من التكاليف سواء كانت بلفظ العهد كقوله : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ( 36 : 60 ) الآيتين أو بلفظ آخر - ومنه يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ( 7 : 27 ) وأمثاله من النداء في هذه السورة - ومن الوصايا في السورة التي قبلها ( الأنعام ) كما يشمل ما عاهدوا الله عليه بلفظ العهد أو بدونه ، وما يعاهد بعضهم بعضا عليه بشروطه ، ومنها ألا يكون على شيء محرم . ويدخل في العهد العام ما أوجبه من موالاة المؤمنين وحقوقهم ، ثم ذكر بعد صفة هؤلاء ما يقابلها من صفات الكافرين الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ، وهو ما ذكر هنا . وقفى عليه بالأمر بصلة الرحم ، وهو أهم ما أمر الله به أن يوصل ، ثم قال تعالى في صفة من يصلون عن هداية القرآن من سورة البقرة المدنية : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون ( 2 : 27 ) وقد سبق في تفسيرها أن العهد الإلهي قسمان : فطري خلقي ، وديني شرعي .

                          وجملة القول : أن أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض هو تفضيل لولايتهم على ما هو أعم منها من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها ، ولكن في ضمان دائرتهما ، فالقريب أولى بقريبه ذي رحمه المؤمن المهاجري والأنصاري من المؤمن الأجنبي ، وأما قريبه الكافر فإن كان محاربا للمؤمنين فالكفر مع القتال يقطعان له حقوق الرحم ، كما قال تعالى في سورة الممتحنة : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ( 60 : 1 ) الآيات ، [ ص: 105 ] وإن كان معاهدا أو ذميا فله من حق البر وحسن العشرة ما ليس لغيره . قال تعالى في الوالدين المشركين : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا ( 31 : 15 ) ثم قال في الكفار عامة : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ( 60 : 8 ) فالبر والعدل مشروعان عامان في حدود الشرع ، ومحل تفصيل هذا البحث تفسير سورة الممتحنة .

                          ثم ختم الله تعالى هذه السورة بقوله : إن الله بكل شيء عليم فهو تذييل استئنافي لأحكام هذا السياق الأخير بل لجميع أحكام السورة وحكمها ، مبين أنها محكمة لا وجه لنسخها ولا نقضها ، فالمعنى أنه تعالى شرع لكم هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود وصلة الأرحام ، وما قبلها مما سبق من أحكام القتال والغنائم ، وقواعد التشريع ، وسنن التكوين والاجتماع ، وأصول الحكم المتعلقة بالأنفس ومكارم الأخلاق والآداب ، عن علم واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدينية والدنيوية . كما قال في السورة السابقة لهذه : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ( 7 : 52 ) الآية .

                          فنسأله تعالى في خاتمة تفسير هذه السورة أن يزيدنا علما وفقها بأحكام كتابه وحكمه ، وأن يزيدنا هداية بعلومه وآدابه ، وأن يوفقنا لإتمام تفسيره على ما يحب ويرضى ، والصلاة والسلام على من أنزله عليه هدى للمتقين ، وأرسله به رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية