الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( تفسير الآية )

                          واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل هذا عطف على الأمر بالقتال ، وما يتعلق به في الآيتين اللتين قبل هذه الآية كما تقدم آنفا و " أن ما " رسمت في مصحف الإمام موصولة هكذا : أنما والجمهور على أن هذه الآية نزلت في غزوة بدر على أن ابتداء فرض قسمة الغنائم كان بها ، ولكن أهل السير اختلفوا فيها فزعم بعضهم أنها شرعت يوم قريظة ، وبعضهم أنها لم تبين بالصراحة إلا في غنائم حنين ، وقال ابن إسحاق : في سرية عبد الله بن جحش التي كانت في رجب قبل بدر بشهرين ، قال : ذكر لي بعض آل جحش أن عبد الله قال لأصحابه : إن لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس ، فعزل له الخمس ، وقسم سائر الغنيمة بين أصحابه ( قال ) : فوقع رضا الله بذلك ، وقال السبكي : نزلت الأنفال في بدر وغنائمها . والذي يظهر أن آية قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم ؛ لأن أهل السير نقلوا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسمها على السواء ، وأعطاها لمن شهد الوقعة أو غاب لعذر تكرما منه ؛ لأن الغنيمة كانت أولا بنص أول سورة الأنفال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( قال ) : ولكن يعكر على ما قال أهل السير حديث علي حيث قال : وأعطاني شارفا من الخمس يومئذ : فإنه ظاهر في أنه كان فيها خمس ا هـ .

                          والمراد بحديث علي ما أخرجه البخاري في أول كتاب فرض الخمس وغيره عنه قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس إلخ . قال الحافظ في شرحه من الفتح عقب نقل عبارة السبكي : ويحتمل أن تكون [ ص: 6 ] قسمة غنائم بدر وقعت على السواء بعد أن أخرج الخمس للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ما تقدم من قصة سرية عبد الله بن جحش وأفادت آية الأنفال وهي قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم إلى آخرها بيان مصرف الخمس لا مشروعية أصل الخمس ، والله أعلم .

                          ثم قال الحافظ في شرح حديث حل الغنائم لنا دون من قبلنا : وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر ، وفيها نزل قوله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ( 8 : 69 ) فأحل الله لهم الغنيمة . وقد ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن عباس ، وقد قدمت في أوائل فرض الخمس أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش ، وذلك قبل بدر بشهرين ، ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم بدر اهـ .

                          وقال الواقدي : كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهرين وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة . وإنما يصح هذا القول إذا أريد به أن أول غنيمة غنمت بعد نزول هذه الآية هي غنيمة الغزوة المذكورة بناء على أن الآية نزلت في جملة السورة في غزوة بدر بعد انقضاء القتال كما تقدم ، والصواب ما حققه الحافظ ابن حجر وذكرناه آنفا .

                          وقال في فتح البيان : وأما معنى الغنيمة في الشرع فحكى القرطبي الاتفاق أن المراد بقوله : أنما غنمتم من شيء مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر . قال : ولا يقتضي في اللغة هذا التخصيص ، ولكن عرف الشرع قيد هذا اللفظ بهذا النوع . وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يسألونك عن الأنفال ( 8 : 1 ) حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر وقيل : إنها - يعني آية يسألونك عن الأنفال محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة . حكاه الماوردي عن كثير من المالكية قالوا : وللإمام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين . وكان أبو عبيدة يقول : افتتح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئا .

                          " وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ، وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي . والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين كثيرة جدا . قال القرطبي : ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى : يسألونك عن الأنفال الآية ناسخ لقوله : واعلموا أنما غنمتم الآية . بل قال الجمهور : إن قوله : واعلموا أنما غنمتم ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف والتبديل لكتاب الله . وأما قصة مكة فلا حجة فيها ، لاختلاف العلماء في فتحها . ( قال ) : [ ص: 7 ] وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار - لما قالوا : يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم - نفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا ، وترجعون برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى بيوتكم ؟ " كما في مسلم وغيره . وليس لغيره أن يقول هذا القول بل ذلك خاص به اهـ .

                          والتحقيق أن مكة فتحت عنوة ، وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعتق أهلها فقال : " أنتم الطلقاء " وأن الأرض التي تفتح عنوة لا يجب قسمها كالغنائم المنقولة ، بل يعمل الإمام فيها بما يرى فيه المصلحة ، دع ما ميز الله به مكة على سائر بقاع الأرض ببيته وشعائر دينه حتى قيل : إنها لا تملك . وجملة القول : أنه ليس بين الآيتين تعارض يتفصى منه بالنسخ ، فالأولى ناطقة بأن الأنفال لله يحكم فيها بحكمه ، وللرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينفذ حكمه تعالى بالبيان والعمل والاجتهاد . والثانية ناطقة بوجوب أخذ خمس الغنائم ، وتقسيمه على من ذكر فيها . فهي إذا مبينة لإجمال الأولى ، ومفسرة لها لا ناسخة .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية