الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          وجملة القول في تفسير الآيات الثلاث أنه ليس من سنة الأنبياء ، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم ، إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين ، لئلا يفضي أخذه الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم وعدوانهم عليهم - وأن ما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا ، على ما كان من ذنب أخذهم لهم قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، ولولا ذلك لسألوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه ، كما سألوه عن الأنفال من قبله - وأنه لولا كتاب من الله سبق مقتضاه عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى ، وعلى خلاف سنته ، وبالغ حكمته لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك - وأنه تعالى أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم والله غفور رحيم .

                          [ ص: 82 ] ( فإن قيل ) : تبين بعد نزول هذه الآيات أن ما حصل من أخذ الفداء لم يكن مضعفا للمؤمنين ، ولا مزيدا من شوكة المشركين ، بل كان خيرا ترتب عليه فوائد كثيرة بينها المحقق ابن القيم من بضعة وجوه - وسيأتي سردها - ( قلنا ) : ما يدرينا ماذا كان يكون لو عمل المسلمون بما دلت الآية الأولى من قتل أولئك الأسرى أو من عدم أخذ الأسرى يومئذ ؟ على أنه هو الذي تقتضيه الحكمة ، وسنة أنبياء الرحمة ، أليس من المعقول أن يكون ذلك مرهبا للمشركين ، وصادا لهم عن الزحف بعد سنة على المؤمنين ، وأخذ الثأر منهم في أحد ، ثم اعتداؤهم في غيرها من الغزوات ؟

                          ( فإن قيل ) : وما حكمة الله تعالى في ترجيح رسوله لرأي الجمهور المرجوح بحسب القاعدة أو السنة الإلهية التي كان عليها الأنبياء قبله ، وهو أرحجهم ميزانا وأقواهم برهانا ، ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم ؟ ( قلت ) : إن لله تعالى في ذلك لحكما أذكر ما ظهر لي منها : ( الحكمة الأولى ) عمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالى ، وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر أمم البشر في دولها القوية في هذا العصر ، كما عمل ـ صلى الله عليه وسلم ـ برأيهم الذي صرح به الحباب بن المنذر في منزل المسلمين يوم بدر وتقدم [ في ص 508 وما بعدها ج9 ط الهيئة ] وقد كان هذا من فضائله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم فرضه الله عليه في غزوة أحد بقوله : وشاورهم في الأمر ( 3 : 159 ) [ ص 163 وما بعدها ج 4 ط الهيئة ] .

                          ( الحكمة الثانية ) بيان أن الجمهور قد يخطئون ولا سيما في الأمر الذي لهم فيه هوى ومنفعة ، ومنه يعلم أن ما شرعه تعالى من العمل برأي الأكثرين فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة ، لا أنهم معصومون فيها .

                          ( الحكمة الثالثة ) أن النبي نفسه قد يخطئ في اجتهاده ، ولكن الله تعالى يبين له ذلك ، ولا يقره عليه كما صرح به العلماء فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى لا في الرأي والاجتهاد ، ومنه ما سبق من اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله بن أم مكتوم ـ رضي الله عنه ـ حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبرين إلى الإسلام ، لئلا يعرضوا عن سماع دعوته ، فعاتبه الله على ذلك بقوله : عبس وتولى أن جاءه الأعمى إلى قوله تعالى : كلا ( 80 : 1 - 11 ) .

                          ( الحكمة الرابعة ) أن الله تعالى يعاتب رسوله على الخطأ في الاجتهاد مع حسن نيته فيه ، ويعده ذنبا له ، ويمن عليه بعفوه عنه ومغفرته له على كون الخطأ في الاجتهاد معفوا عنه في شريعته ؛ لأنه في علو مقامه وسعة عرفانه يعد عليه من " مخالفة الأولى والأفضل والأكمل [ ص: 83 ] ما لا يعد على من دونه من المؤمنين ، على قاعدة : " حسنات الأبرار سيئات المقربين " ومثال ذلك قوله تعالى له لما أذن بالتخلف عن غزوة تبوك لبعض المنافقين : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ( 9 : 43 ) فهذه أمثلة ذنوبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ تسليما ، والمغفورة بنص قوله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ( 48 : 2 ) والذنب ما له عاقبة ضارة أو مخالفة للمصلحة تكون وراءه كذنب الدابة وإن لم يكن معصية .

                          ( الحكمة الخامسة ) بيان مؤاخذة الله تعالى الناس على الأعمال النفسية وإرادة السوء بعد تنفيذها بالعمل بقوله تعالى : تريدون عرض الدنيا وإنما كانت إرادة هذا ذنبا ؛ لأنه كان باستشراف أشد من استشرافهم أولا لإيثار عير أبي سفيان على الجهاد ، ولذلك لم يسألوا عن حكمه كما سألوا من قبل عن الأنفال ، ولم يبالوا في سبيله بأن يقتل المشركون منهم بعد عام مثل عدد من قتلوهم ببدر ، كما ورد في بعض الروايات ، وما قاله بعض المفسرين من أن سبب هذا حبهم للشهادة فلا دليل عليه من نص ولا قرينة حال ، ويرده أنه ليس للمؤمنين أن يحبوا أو يختاروا قتل المشركين لكثير منهم ولا قليل ، ويكفي من حب الشهادة الإقدام على القتال ، وعدم الفرار من الزحف خوفا من القتل .

                          ( الحكمة السادسة ) الإيذان بأنهم استحقوا العذاب على أخذ الفداء ، ولم يذكر معه مخالفة المصلحة المذكورة ؛ لأنها لم تكن قد بينت لهم ، وإنما كان من شأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعلم هذه المصلحة ويعمل بمقتضاها ، والظاهر أنه علمها ولكنه رجح عليها العمل بالمشاورة ، والأخذ برأي الجمهور الذي فرضه الله تعالى عليه فرضا في غزوة أحد بعد أن ألهمه إياه إلهاما في غزوة بدر ، ولهذا لم يمن عليه عنها بالعفو عنه خاصة ، كما من عليه بعد ذلك في الإذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك الذي هو مخالف للمصلحة أيضا .

                          ( الحكمة السابعة ) بيان منة الله تعالى على أهل بدر أنه لم يعذبهم فيما أخذوا بسوء الإرادة ، أو بغير حق وتقدم وجهه ، وفي هذه المنة بعد الإنذار الشديد خير تربية لأمثالهم من الكاملين تربأ بأنفسهم عن مثل ذلك الاستشراف ، لا أنها تجرئهم عليه كما توهم بعض الناس .

                          ( الحكمة الثامنة ) علمه تعالى بأن أولئك الأسرى ممن كتب لهم طول العمر وتوفيق أكثرهم للإيمان .

                          ( الحكمة التاسعة ) أن يكون من قواعد التشريع أن ما نفذه الإمام من الأعمال السياسية والحربية بعد الشورى لا ينقض ، وإن ظهر أنه كان خطأ ، ومن ذلك أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ [ ص: 84 ] لما شرع في تنفيذ رأي الجمهور في الخروج إلى أحد على خلاف رأيه ثم راجعوه فيه ، وفوضوا إليه الأمر في الرجوع فلم يرجع ، وقال في ذلك كلمته العظيمة التي تعمل بها دول السياسة الكبرى إلى هذه العصر لحسنها ، لا لاتباعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتراجع في [ ص78 - 82 ج 4 ط الهيئة ] .

                          هذا ما فتح الله تعالى به ، وهو مخالف لما ذهب إليه العلامة ابن القيم في الهدي ، وأشار إليه الحافظ في الفتح ، وتارة معزوا إليه ، وتارة بغير عزو ، وإننا ننقله بنصه ، ونقفي عليه بما نراه ناقضا له مع الاعتراف لأستاذنا ابن القيم بالإمامة والتحقيق ( لا العصمة ) في أكثر ما وجه إلى تحقيقه فكره الوقاد ، ذلك أنه عقد في كتابه ( زاد المعاد ) فصلا لهديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى ، ذكر فيه حديث الاستشارة في أسرى بدر ورأي الشيخين ـ رضي الله عنهما ـ والترجيح بينهما قال فيه ما نصه - والعنوان لنا -

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية