الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( 3 ) محافظة الكنيسة على عقائدها وتأويلات المخالفين لها .

                          إننا نعتقد بما تيسر لنا من البحث والاختبار الطويل أن علماء الشعوب الأوربية ومستقلي الفكر فيهم ، لا يؤمنون بعقائد الكنيسة التي أشرنا إليها في هذا السؤال ، وفي المسألة الثانية من قضايا الجواب عنه ، ولا بأن جميع ما في كتب العهدين القديم والجديد ولا أكثره حق موحى به من الله عز وجل ، بل نعلم أن كثيرا منهم قد اهتدى بعقله واستقلال فكره إلى ما يقرب من إصلاح الإسلام للنصرانية التقليدية ، وهو أن المسيح بشر مخلوق ، ونبي رسول لا إله خالق ، بل حدثني رجل كان من كبار رجال الدين الكاثوليكي فجهر بما يعتقده مما يخالف تعاليمهم فحرمه الرئيس الأكبر منها - حدثني بأن رؤساء الكنيسة أنفسهم الذين أدركوا حقائق العلوم لا يعتقدون ألوهية المسيح ، ولا التثليث ، ولا الاستحالة في العشاء الرباني ، بل يعلمون أنها دخيلة في دين المسيح ، ولكنهم يرون أنهم إذا صرحوا بهذا تبطل ثقة النصارى بالدين من أصله ، فيتعذر على رجال الكنيسة بسقوط رياستها حملهم على الأصول الصحيحة من الدين ، وهي الفضائل والآداب وتقوى الله الصادة عن الشرور والرذائل .

                          هذا وإن لكبار الأذكياء منهم تأويلات يتفصون بها من منكرات تلك الكتب والتقاليد [ ص: 305 ] كتأويل عاهل الألمان الأخير ( غليوم الثاني ) بعد عثور علماء قومه على شريعة حمورابي في العراق ، وقولهم : إن جل شريعة التوراة مأخوذة عنها ، فإنه كتب كتابا لصديق له في كون هذا الأمر لا ينقض دينهم المبني على أساس التوراة أي كتب العهد القديم ; لأنه مبني على ما يسمونه الروح الذي فيها لا على نصوصها وتشريعها ، وقد قال في آخر ذلك الكتاب :

                          ومن البديهي عندي أن التوراة تحتوي على عدة فصول تاريخية هي من البشر لا من وحي الله ، ومن ذلك الفصل الذي ورد فيه أن الله أعطى موسى على جبل سيناء شريعة بني إسرائيل ، فإنني أعتقد أنه لا يمكن اعتبار تلك الشريعة موحى بها من الله إلا اعتبارا شعريا رمزيا ; لأن موسى قد نقل تلك الشرائع عن شرائع أقدم منها على الأرجح ، وربما كان أصلها مأخوذا من شرائع حمورابي ، ويوشك أن يجد المؤرخ اتصالا بين شرائع حمورابي صاحب إبراهيم الخليل ، وبين شرائع بني إسرائيل باللفظ والفحوى ، وذلك لا يمنع قطعيا من الاعتقاد بوحي الله لموسى ، وظهوره لبني إسرائيل بواسطته " ثم قال : وإنني أستنتج مما تقدم ما يأتي :

                          ( 1 ) أنني أؤمن بإله واحد . ( 2 ) أننا معشر الرجال نحتاج في معرفة هذا الإله العظيم إلى شيء يمثل إرادته ، وأولادنا أشد احتياجا منا إلى ذلك .

                          ( 3 ) أن الشيء الذي يمثل إرادة الله عندنا هو التوراة التي وصلت إلينا بالتقليد ، وإذا فندت المكشوفات الأثرية بعض رواياتها ، وذهبت بشيء من رونق الشعب المختار - شعب إسرائيل - فلا ضير في ذلك ; لأن روح التوراة يبقى سليما ، مهما يطرأ على ظاهرها من الاعتلال والاختلال ، وهذا الروح هو الله وأعماله .

                          إن الدين لم يكن من مستحدثات العلم ، فيختلف باختلاف العلم والتاريخ ، وإنما هو فيضان من قلب الإنسان ووجدانه بما له من الصلة بالله " هـ .

                          وأما مسألة المسيح ، فإنه فسرها قبل ذلك في كتابه المذكور بأن الله تعالى يظهر دائما في الجنس البشري الذي هو خليفته وصنيعته بما نفخ فيه من روحه ( قال ) : أعني أنه منحه شيئا من ذاته إذ أعطاه نفسا حية ، وإن ظهوره هذا قد يكون في كاهن ، وقد يكون في ملك ، سواء كان من الوثنيين أو اليهود أو النصارى ، وقد كان حمورابي من هؤلاء الرجال كما كان موسى وإبراهيم وهو ميروس وشارلمان ولوثر وشكسبير وجوت وقنت ( أوكونت ) والإمبراطور غليوم الكبير ( يعني جده ) . . . . ثم ذكر أن ظهور الله في [ ص: 306 ] الأشخاص يكون على حسب استعداد أممهم ودرجاتها في الحضارة ، وأنه لا يزال يظهر إلى عصرنا هذا ( يعني في شخصه ) .

                          فبمثل هذه التأويلات والآراء يدين أهل العقل والعلم في أوربة لا بدين الكنيسة كما يزعم دعاة النصرانية ( المبشرون ) الكذابون الخداعون ليغشوا عوام المسلمين بعظمة الإفرنج الدنيوية ، وبتسميتهم حضارة أوربة مسيحية .

                          وقد كان للفيلسوف تولستوي الروسي الشهير تأويل للإنجيل قريب مما قلناه في بيان حقيقته بهداية الإسلام ، وخلاصته أن إنجيل المسيح الصحيح هو عبارة عن حكمه ومواعظه التي كانت جواهر ألقيت في مزابل من الخرافات والأوهام ، وإنه هو قد عني باستخراجها وتنظيفها مما علق بها ، وشبهها بتمثال مكسر ملقى فيها ، فعثر هو عليه قطعة بعد أخرى حتى إذا تم وكمل ، علم أن عمله حق صحيح ، وألف في ذلك كتابا كبيرا سماه الأناجيل ، وسمى ما استخلصه منها الإنجيل الصحيح ، وقد سبق لنا تلخيص مقدمته التي بين فيها ما حققه في الموضوع ( ص131 و 226 و 259 م 6 منار ) .

                          ومما قاله فيها : " إن القارئ لا ينبغي له أن ينسى أن من الخطأ الفاحش والكذب الصراح أن يقال : إن الأناجيل الأربعة هي كتب مقدسة في جميع آياتها " وأيد ذلك بما هو مسلم عندهم من " أن المسيح لم يؤلف كتابا قط كما فعل أفلاطون وغيره من الفلاسفة ، وأنه لم يلق تعاليمه مثل سقراط على رجال من أهل العلم والأدب ، وإنما عرضها على قوم من الجهال قد خشنت طباعهم كان يصادفهم في طريقه " أي فلم يحفظوها ولم يكتبوها ، وفي هذه الأناجيل نصوص صريحة بأنهم لم يكونوا يفهمون كل كلام المسيح ولا سيما أمثاله التي كان يضربها لهم .

                          ثم ذكر تولستوي أنه جاء بعده بزهاء مائة عام رجال أدركوا مكانة كلماته فخطر في بالهم أن يدونوها بالكتابة ، فكانت مدوناتهم كثيرة ، ومنها ما كان محشوا بالخطأ والغلط ، وأن الكنيسة اختارت بعد ذلك من ألوف المصنفات ما رأته أقرب إلى الكمال " وأن الغلط في الأناجيل القانونية هو بقدر الغلط في الأناجيل المهملة لاعتبارها محلا للشك والارتياب ، وأن هذه الأناجيل المتروكة تشتمل أشياء جميلة ، قد تعادل ما تضمنته الأناجيل الرسمية " إلخ ومما حققه في هذه المقدمة أن دين المسيح الصحيح أجنبي عن العقيدة العبرانية ، وعقيدة الكنائس النصرانية وأن بولس لم يفهم دين المسيح ألبتة .

                          فهذه نصرانية هذا الفيلسوف الكبير ، وتلك عقيدة ذلك العاهل الكبير ، وما أتعب الأول في التفكير ، والآخر في التأويل ، إلا سلطان الدين الفطري على النفس ، ومشاقة [ ص: 307 ] الدين الكنيسي للعقل والعلم ، ولو أنهما اطلعا على حكم القرآن في أمر التوراة والإنجيل والمسيح وكونه من روح الله وآية من آياته ، وأن معنى كونه كلمة الله ، أنه وجد بكلمة التكوين " كن " - لكان هذا وحده برهانا كافيا لاهتدائهما بالإسلام ، واتباعهما لمحمد عليه الصلاة والسلام ، فكيف لو اطلعا على غير ذلك من الحقائق والحكم والأحكام ، على أن القليل الذي بلغهما منه قد أنطقهما بما يدلان على إكباره ، فللفيلسوف رسالة جليلة في ( حكم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وللإمبراطور كلمة قالها لموسى الكاظم شيخ الإسلام في الآستانة إذ زارها في أيام الحرب الكبرى تغني عن مؤلف كبير وهي : فسروا القرآن التفسير الذي تظهر فيه علويته . . . فهو قد علم أنه علوي لا أرضي ، بل هو الحق الذي يعلو ولا يعلى ، والذي يحطم ما دونه .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية