الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( 8 ) الرجاء الجديد في اهتداء الإفرنج بالإسلام :

                          سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( 41 : 53 ) كان نظام التربية والتعليم الذي يتولى أمره رجال الدين في بلاد النصرانية كلها ، وحيث وجدت لهم مدارس وكنائس في غيرها - كان ولا يزال - مهيمنا على العقول والقلوب أن يتسرب إليها شيء يخالف عقيدتهم ، فإن علموا شيئا منها نفذ إليها بادروا إلى نزعه وإزالة تأثيره ، كما يبادر الأطباء إلى معالجة من يصاب بمرض معد أو جرح خطر .

                          بيد أن حرية الفكر ، وحب العلم اللذين تغلغلا في أوربة بعد الحروب الصليبية قاوما هذه السيطرة الكنيسية ، فوجد تعليم حر ، وتفكير حر ، وتصنيف حر ، ولكن التربية الحرة لا تزال قليلة وضعيفة بما للتأثير السياسي والديني من القوة والسلطان .

                          أعقبت هذه الحريات وما اقتضاه الأخصاء في فروع العلوم والمعارف ، من عناية بعض العلماء بدراسة الكتب الإسلامية ، وكان مما أثمرته سياحة العلماء من قبلها في بلاد الإسلام ، أن اطلع الأفراد بعد الأفراد من كل شعب من شعوب الإفرنج على كتب الإسلام الصحيحة ، وترجموا كثيرا من مؤلفاتهم العلمية ، وشاهدوا عبادات المسلمين ، وأحاطوا علما بتاريخهم وسمح اتساع حرية العلم لمستقلي الفكر منهم أن يصرحوا قولا وكتابة بما علموا من ذلك ، فشهد الكثيرون من علماء القرن الماضي والحاضر بأن عقيدة الإسلام أكمل عقائد التوحيد والتنزيه التي يتقبلها العقل السليم بالتسليم ، وأن عباداته موافقة للفطرة البشرية ، وأن أحكامه عادلة ، وقد ألفوا في ذلك كتبا كثيرة فندوا فيها مطاعن رجال الكنيسة على الإسلام ومحمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام . وقد نشرنا بعض هذه الشهادات في مواضع كثيرة من المنار ، من أهمها ما جاء في المجلد الخامس ( مقالات الإسلام والنصرانية ) للأستاذ الإمام رحمه الله تعالى ، وقد جمعت في كتاب مستقل . ومنها كتاب الدعوة الإسلامية للأستاذ أرنولد الإنكليزي . وقد كتب فيلسوف التاريخ والاجتماع غوستاف لوبون الفرنسي رقعة بريدية لأديب تركي بعد الحرب الكبرى قال فيها: إنه ألف كتابا كبيرا في ( حضارة العرب ) ; ليثبت لقومه أن العرب المسلمين أساتذة أوربة كلها في مدنيتها الحاضرة وعلومها . ( قال ) : ولكن التربية الإكليركية [ ص: 314 ] ( الكاثوليكية ) المسيطرة على أكثر الشعب حالت دون علمه وإذعانه لذلك اهـ . ولا نزال ننشر بعض هذه الشهادات ، وكان آخرها ما نشرناه في هذا العام ( 1348 هـ ) من مقدمة ترجمة القرآن للعالم السويسري ( مسيو مونتيه ) الذي أظهر فيها تعجبه من إيمان نصارى أوربة بأنبياء بني إسرائيل ، وعدم إيمانهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذكر من خبر نبوته ما هو خلاصة لما ورد في كتب الحديث الصحيحة والسيرة النبوية .

                          وإنما عثرت أفكار بعضهم ببعض المسائل التي عثرت فيها أقلام علماء المسلمين من المتكلمين والفقهاء كمسألة القضاء والقدر ، فلم يوفقوا لفهمها ولا لبيانها كما يجب ، وأنكر كثير منهم بعض المسائل المخالفة لتقاليدهم وعاداتهم وتربيتهم كالطلاق وتعدد الزوجات ، وهي في الإسلام من مسائل الضرورات ، ثم قبلت جميع شعوبهم وحكوماتهم حكم الطلاق ، وأفرطوا فيه بما لا يبيحه الإسلام ، ولولا فشو الزنا في بلادهم لاضطروا إلى قبول تعدد الزوجات أيضا ، ولا سيما أهل أوربة الذين اغتالت حرب المدنية الأخيرة زهاء عشرين مليونا من رجالهم .

                          وتصدى بعض المسلمين في هذا القرن للدعوة إلى الإسلام في بلاد الإنكليز ، ثم في غيرها فأسلم بعض الناس بدعوتهم ، على أن الدعوة إلى الإسلام لا تزال ضعيفة بضعف علم أكثر دعاتها ، وابتداع في بعض الهنود منهم ، وكما أسلم آخرون منهم باطلاعهم على ترجمة القرآن الحكيم بلغاتهم على كثرة ما في هذه التراجم من الخطأ والغلط ، كما أن كثيرا من نصارى الشرق يسلمون في كل عام ، ولكن بعض الوجهاء منهم وأصحاب العلاقات المادية والاجتماعية بعشائرهم وعشرائهم يكتمون إسلامهم ، ويخفون عباداتهم الإسلامية عنهم ، وقد اعترف لي واحد منهم ممن يلبسون ( البرنيطة ) بإسلامه بعد معاشرة طويلة كان يسألني فيها سؤال المستفيد عن بعض المسائل الدينية ، ويتلقى أجوبتي بالارتياح - ولكنه اشترط علي كتمان خبره .

                          وكان رئيس من رؤساء الإدارة ( قائمقام ) في لبنان صديقا لوالدي ، وكان يزورنا فيكثر من هذه الأسئلة ، ثم مرض فعاده والدي بداره في مركز عمله فخلا به ، فاعترف له في هذه الخلوة بإسلامه واضطراره لكتمانه عدة سنين ، ثم قال : وإنني أشعر الآن بقرب الأجل فأشهدك على أنني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، وعلى هذه الشهادة أموت . ولو كان للإسلام دولة قوية عزيزة تحيي حضارته ، وتقيم شريعته لرأينا الناس من جميع الشعوب يدخلون فيه أفواجا .

                          هذا وإن الذين يعاشرون علماء المسلمين - الذين يعرفون الإسلام الصحيح ويقدرون على بيانه - من عقلاء الإفرنج المستقلي الفكر يعجبون مما يسمعونه منهم ، حتى ليشك أكثرهم في أنه هو الإسلام الذي جاء به محمد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

                          [ ص: 315 ] أذكر أنه قال لي اسكندر كاستفليس زعيم نصارى طرابلس الشام في عهده - وكان قنصلا لروسية وألمانية فيها - بمناسبة مذاكرة بيني وبينه بداره وكنت تلميذا : إن عندكم من الفضائل مثل الجبال ولكنكم دفنتموها وأخفيتموها بسيرتكم ، وعندنا شيء قليل مددناه وكبرناه حتى ملأ الأرض ، مثل ما ورد في الإنجيل من " حب الله والقريب " .

                          وذكرت في مواضع من المنار أنني عاشرت رجلا من خيار الإنكليز الذين تقلدوا بعض أعمال الحكومة بمصر ، فكنت كلما ذكرت له شيئا من حقيقة الإسلام يتعجب ويقول: إنه هو يعتقد هذا ، أو هذا فلسفة لا دين ، وأنه قال لي مرة إن كان ما تقوله هو الإسلام حقيقة فأنا مسلم ، وقال مرة أخرى مازحا : إما أن أكون أنا مسلما ، وإما أن تكون أنت كافرا ! ! وفسر هذه بكلمة ثالثة قالها في مجلس آخر خلاصتها : إذا سألنا علماء الأزهر عما تقوله أنت والشيخ محمد عبده في الإسلام فوافقوا عليه فأنا أعلن إسلامي ، ولكن أرى أنكما أوتيتما من العلم الفلسفة العالية في الدين ما لا ينكره عالم عاقل ، فأنتما تسندانه إلى الإسلام ، وما عليه المسلمون من الإسلام يباينه . قلت له : إنني مستعد لإثبات كل ما أقوله لك في الإسلام بآيات القرآن ، وكنا نتكلم في مسألة فاستدللت عليها بآية من سورة الروم ، ودللته عليها في ترجمة القرآن الإنكليزية ، ولكنه لم يصدق أن كل ما أقوله له كذلك .

                          ونشرت في المنار شهادة لورد كرومر بنجاح الإسلام في عقائده القائمة على أساس التوحيد ، ونظامه المدني وعدله ، ثم نشرت شهادة لورد كتشنر لشريعة الإسلام بالعدل ، وبأنها خير للمسلمين من قوانين أوربة نشرت هاتين الشهادتين في أيام حياة اللوردين فكانتا مثار العجب لبعض الناس ; لأن رجال السياسة قلما يصرحون بمثل هذه الشهادة للإسلام وهم خصوم أهله .

                          وفي هذه الأيام حدثني تاجر مسلم مقيم في مدينة مانشستر الإنكليزية أنه حضر وعظ قسيس من الإنكليز الموحدين في كنيسته فكان من وعظه إثبات فضائل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرد على مفتريات المبشرين وأمثالهم عليه ، ومنها زعمهم أنه كان شهوانيا همه في التمتع بالنساء . قال القس : إن من كان كذلك يحتقره جميع الناس ، ولا يمكنه أن يؤثر تأثيرا صالحا في قلوب الألوف والملايين من الناس ، فكيف أمكن لمحمد إذا أن يهدي هذه الأمة العظيمة ، وتنتشر في هدايته في الشعوب الكثيرة ؟ ثم إنه صلى بالناس ، وقرأ في صلاته شيئا من ترجمة القرآن .

                          [ ص: 316 ] الخلاصة : أن الإسلام هو الخلاصة الصحيحة لدين الله الحق على ألسنة أنبيائه عليهم السلام ، الذين لم يحفظ كتاب من كتبهم كله كما بلغوه لأقوامهم ، وما في أيديهم منها ينافي مصالحهم كتشديدات التوراة في أمور المعيشة والحرب ، وأثرة بني إسرائيل على البشر ، وتشديد الأناجيل في الزهد وترك الدنيا . وقد نسخ الله بالإسلام جل ما جاءوا به ; لأنه كان خاصا بشعوبهم في أزمنتها ، وزاد عليها ما أكملها به على لسان خاتمهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبينا إياها أكمل البيان ، مؤيدا بأوضح البرهان ، مع أصول التشريع العام الموافق لمصالح البشر في كل زمان ومكان ، وكان من براهين صحته ظهور هذه العلوم والحقائق على لسان رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ، ولم يعاشر المتعلمين العارفين بالكتب السابقة . ومن معجزات كتابه الخالدة - وراء إعجازه للبشر بعلومه وتشريعه وإخباره عن الغيب وببلاغته وأسلوبه الذي يعلو جميع كلام البشر - أن ما وصل إليه علم البشر من العلوم والحقائق السماوية والأرضية لم ينقض شيئا منه .

                          فلا وسيلة لإنقاذ العالم المدني العصري مما انتهى إليه من المفاسد المادية ، والفوضى الدينية والأدبية ، وتعارض المذاهب الرأسمالية والشيوعية ، إلا بهذا الدين الوسط كما يعترف الذين عرفوه في الجملة حتى من الماديين ، وقد قوي استعداد الشعوب الأوربية للاهتداء به إذا أمكن بيانه لهم كما أنزله الله تعالى ، وبينه رسوله الأعظم بسنته المتبعة التي كان عليها أهل العصر الأول سليمة من البدع والآراء المذهبية ، والخرافات التصوفية ، وكان حكيما الإسلام السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده يعتقدان أن مآل الإفرنج إلى الإسلام ، إسلام القرآن لا إسلام مسلمي هذا العصر ، وكثير ممن قبلهم ، وأنه ربما آل الأمر إلى أخذ الشعوب الإسلامية - بالوراثة دون العلم والحكمة - إلى أخذ الإسلام عنهم .

                          وها نحن أولاء نرى كثيرا من المسلمين يأخذون علوم الإسلام عن المستشرقين من الإفرنج ، وبدءوا يقلدون دولة الولايات المتحدة في أمريكة بالدعوة إلى ترك شرب الخمر .

                          إن الإفرنج ولا سيما أولي التربية الحرة الاستقلالية منهم يقربون من الإسلام يوما بعد يوم ، وإنما يرجى اهتداؤهم به في أقرب وقت بتأليف جمعية غنية ; لنشر دعايته في أوربة وأمريكة ، وهذا ما كنا شرعنا فيه منذ بضع عشرة سنة ، إذ أنشأنا جمعية الدعوة والإرشاد ، ومدرسة الدعوة والإرشاد لها ، وكنا قد وفقنا لتقرير وزارة الأوقاف الإسلامية بمصر للنفقة على المدرسة ، ولكن الدسائس الأجنبية فازت بحمل وزارة الأوقاف على إلغاء هذه الإعانة في زمن [ ص: 317 ] الحرب الكبرى ، ولم يوجد من أغنياء المسلمين الأغنياء السفهاء ، ولا من أمرائهم المسرفين المتكبرين من يقوم بها ، ونحمد الله تعالى أن لاح في مهد الإسلام نور جديد لإحياء هذا الدين هو الآن محمل الرجاء لجميع عقلاء المسلمين المصلحين ولتعلمن نبأه بعد حين ( 38 : 88 ) .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية