الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ولما كان السلم هو المقصود الأول كما أفاد مفهوم الآية السابقة ، أكده بمنطوق الآية اللاحقة ، فقال جلت حكمته وسبقت رحمته : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها قرأ الجمهور " للسلم " بفتح السين ، وأبو بكر بكسرها وهما لغتان . وهي كالسلام : الصلح ، وضد الحرب ، والإسلام دين السلم والسلام يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ( 2 : 208 ) ولفظ السلم مؤنث كمقابله ( الحرب ) وبعض العرب يذكرهما . وجنح للشيء وإليه مال ، أو هو خاص بالميل إلى أحد الجناحين أي الجانبين المتقابلين كجناحي الطير والإنسان والسفينة والعسكر . وقالوا : جنحت الشمس للغروب أي مالت إلى جانب الغرب الذي تغيب في أفقه ، وهو مقابل لجانب الشرق الذي تطلع منه ، ولا يقال : جنحت للشرق ، لأننا لا نراها قبل شروقها مائلة إلى جانب غير الذي انقلبت عنه ، ولكن يقال : جنح الليل ، بمعنى مال للذهاب وللمجيء . والمعنى : وإن مالوا عن جانب الحرب إلى جانب السلم خلافا للمعهود منهم في حال قوتهم ، فاجنح لها أيها الرسول ، لأنك أولى بالسلم منهم . وعبر عن جنوحهم بـ " إن " التي يعبر بها عن المشكوك في وقوعه ، أو ما من شأنه ألا يقع ، للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختياره لذاته ، وأنه لا يؤمن أن يكون جنوحهم إليه كيدا وخداعا ، ولذلك قال : وتوكل على الله إنه هو السميع العليم اقبل منهم السلم ، وفوض أمرك إلى الله تعالى ، فلا تخف كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح [ ص: 60 ] إلى الغدر كما فعلوا بنقض العهد ، إنه عز وجل هو السميع لما يقولون ، العليم بما يفعلون ، فلا يخفى عليه ما يخفى عليك من ائتمارهم وتشاورهم ، ولا من كيدهم وخداعهم .

                          قيل : إن الآية خاصة بأهل الكتاب ؛ لأنها نزلت في بني قريظة الذين نقضوا العهد كما تقدم في أول هذا السياق ، وإن نظر فيه ابن كثير محتجا بأن السورة كلها نزلت في وقعة بدر ، وتقدم أنها من أنباء الغيب ، ويرد التخصيص قبوله صلوات الله وسلامه عليه الصلح من المشركين في الحديبية ، وترك الحرب إلى مدة عشر سنين ، مع ما اشترطوا فيه من الشروط الثقيلة التي كرهها جميع الصحابة رضوان الله عليهم ، وكادت تكون فتنة ، وقيل : إنها عامة ولكنها نسخت بآية السيف في سورة المائدة ؛ لأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام . وروي القول بنسخها عن ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة . نقله ابن كثير وتعقبه بقوله : وفيه نظر أيضا ؛ لأن آية ( براءة ) فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك . فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم ، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة . وكما فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية ، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم اهـ .

                          وقد يقال في الجواب أيضا : إن المشركين لم يثبت أنهم جنحوا إلى السلم ، وأباه عليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل أجابهم إليه في الحديبية كما تقدم آنفا ، ثم ظلوا يقاتلونه إلى ما بعد فتح مكة عاصمة دينهم ودنياهم ، كما فعلوا في الطائف إلى أن ذهبت ريحهم ، وخضدت شوكة زعمائهم ، وصار سائر العرب يدخلون في دين الله أفواجا ، وتم ما أراد الله من إسلام أهل جزيرة العرب إلا قليلا من أهل الكتاب ، لأجل أن يكون مهد الإسلام حصنا ومئزرا للإسلام . ثم بين تعالى أمره بالتوكل في حال قبول السلم إن جنحوا إليه على خلاف المعهود منهم اختيارا فقال :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية