الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( باع عبدا ) أي رقيقا ( بشرط إعتاقه ) عن المشتري أو أطلق ( فالمشهور صحة البيع والشرط ) لخبر بريرة المشهور ولتشوف الشارع للعتق ، على أن فيه منفعة للمشتري في الدنيا بالولاء وفي الآخرة بالثواب وللبائع بالتسبب فيه والثاني لا يصحان كما لو شرط بيعه أو هبته ، وقيل يصح البيع دون الشرط كما في النكاح ، أما لو شرط إعتاقه عن البائع أو أجنبي فلا يصح ; لأنه ليس في معنى ما ورد به الخبر وخرج بإعتاق المبيع شرط إعتاق غيره فلا يصح البيع معه لانتفاء كونه من مصالحه وشرط إعتاق بعضه .

                                                                                                                            نعم لو عين المقدار المشروط فالأوجه كما قاله الشيخ الصحة ، ولو باع بعضه بشرط إعتاقه صح ذلك البعض كما اقتضاه كلام البهجة وأصلها ، ومحل صحة شرط العتق حيث كان المشروط عليه يتمكن من الوفاء ، فلو شرط إعتاق قريبه من أصل أو فرع لم يصح البيع [ ص: 457 ] لتعذر وفائه بالشرط لكونه يعتق عليه قبل إعتاقه ، وهذا هو المعتمد وإن نظر فيه في المجموع وأبدى للصحة احتمالا ويكون شرطه توكيدا للمعنى .

                                                                                                                            قال الأذرعي : والظاهر أن شراء من أقر بحريته أو شهد بها أو بيعه بشرط العتق كشراء القريب : ويحتمل الفرق بينهما والأوجه الأول ( والأصح أن للبائع ) ويظهر إلحاق وارثه به ( مطالبة المشتري بالإعتاق ) ; لأنه وإن كان حقا لله تعالى لكن له غرض في تحصيله لإثابته على شرطه وبه فارق الآحاد ، وأما قول الأذرعي : لم لا يقال للآحاد المطالبة به حسبة لا سيما عند موت البائع أو جنونه ، يرده ما سيأتي في المماثلة في القصاص مما يؤخذ منه ما اقتضاه كلامهم من امتناع المطالبة ، وأن النظر في مثله للحاكم ، ولا يلزمه عتقه فورا إلا عند الطلب ( أو ظن فواته ) فإن امتنع أجبره الحاكم عليه وإن لم يرفعه إليه البائع بل وإن أسقط هو أو القن حقه ، فإن أصر أعتقه عليه كما يطلق عن المولى والولاء مع ذلك للمشتري ، وله قبل عتقه وطؤها واستخدامه وكسبه وقيمته إن قتل ، ولا يلزمه صرفها لشراء مثله كما لا يلزمه عتق ولد الحامل لانقطاع التبعية لا نحو بيع ووقف وإجارة [ ص: 458 ] ولو جنى قبل إعتاقه لزمه فداؤه كأم الولد ، ولو أعتقه عن كفارته لم يجزه عنها وإن أذن له البائع فيه لاستحقاقه العتق بجهة الشرط فلا يصرف إلى غيرها كما لا يعتق المنذور عن الكفارة ، ولو مات المشتري قبل إعتاقه فالقياس أن وارثه يقوم مقامه وهو ظاهر في غير من استولدها .

                                                                                                                            أما هي فالأوجه عتقها بموته ، ولا ينافي ذلك قولهم إن الاستيلاد لا يجزي ; لأنه ليس بإعتاق ، إذ معناه أنه لا يسقط عنه طلب العتق لا أنها لا تعتق بموته ; لأن الشارع متشوف إلى العتق ما أمكن والحق في ذلك لله تعالى لا للبائع ، فعتقها بموته أولى من أن تأمر الوارث بإعتاقها ، ومقابل الأصح ليس له مطالبته إذ لا ولاء له في حق الله تعالى .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله ولو باع عبدا ) هل مثل البيع السلم ؟ فيه نظر ، وينبغي عدم الصحة أخذا من تعليلهم بالعتق الناجز وتأخر القبض في السلم منزل منزلة تعليق العتق ( قوله : أي رقيقا ) إنما فسر بذلك ليشمل الأمة ، وعبارة حج : أي قنا . وفسر بذلك بناء على أن القن هو الرقيق ، وعبارة المصباح : القن الرقيق يطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره ، وربما جمع على أقنان وأقنة . قال الكسائي : القن من يملك هو وأبواه ، وأما من يغلب عليه ويستعبد فهو عبد مملكه . ومن كانت أمه أمة وأبوه عربيا فهو هجين ( قوله : بشرط إعتاقه ) ومثله القرض والهبة فيصح كل منهما بشرط العتق عن المقترض والمتهب كذا قيل ، وقد يقال : الأقرب فيهما عدم الصحة ; لأن العتق هنا لا يحصل إلا بعد قبض المقرض والموهوب . لا يقال : قد يكون المقرض والموهوب في يد المقترض والمتهب قبل العقد فيحصل القبض فيهما عقبه ; لأنا نقول : القبض فيهما يتوقف على إذن من المالك في القبض عن الهبة والقرض ، وعلى مضي زمن يمكن فيه القبض بعد العقد فلا يتم القبض فيهما بعد العقد أصلا ، وقد يؤيد هذا أنه إذا شرط إعتاق البعض لم يضر مع أن اعتاق غير المبيع إنما حصل بالسراية من إعتاق الجزء المبيع ، ووجه التأييد ما قاله حج من أنه صح ; لأنه مع ذلك يسمى عتقا للكل حالا منجزا وهو المقصود .

                                                                                                                            ( قوله : عن المشتري ) لا فرق في صحة العقد مع ما ذكر ولزوم العتق للمشتري بين كون المبتدي بالشرط هو البائع ووافقه المشتري أو عكسه على المعتمد ا هـ سم على حج من جملة كلام طويل فليراجع ( قوله : لانتفاء كونه من مصالحه ) ومنه ما لو باع أحد شريكين حصته من شريكه بشرط أن يعتق الشريك الكل فلا يصح لاشتماله على شرط عتق غير المبيع ( قوله : وشرط إعتاق بعضه ) أي بعض المبيع ( قوله : نعم لو عين المقدار إلخ ) فإن أبهمه فله خلافا لحج حيث قال : لا فرق في البعض بين المعين وغيره حتى لو باعه بشرط إعتاق جزما صح البيع وحصل به المقصود من عتق الكل ; لأنه إذا أعتق جزءا وإن قل سرى إلى باقيه لكون الجميع في ملكه ا هـ . ويمكن رد ما قاله بأن المبهم لا تتأتى المطابقة والدعوى به من البائع لانتفاء كون المدعى به معلوما فامتنع البيع بشرط إعتاقه للإبهام ، قيل على أنه قد لا تتأتى السراية عند الإعتاق لاحتمال أن يبيع أكثره وهو معسر ، فإذا أعتق الباقي لا يسري ، لكن هذا جار في البعض معينا كان أو مبهما ، وقد يقال بعدم صحة بيع شيء منه فيما لو شرط عليه إعتاق شيء منه معينا كان أو مبهما ; لأنه حيث قيل بصحة الشرط نزل شرط إعتاق البعض منزلة شرط إعتاق الكل ، وهو إذا شرط إعتاق الكل لا يجوز بيع شيء منه قبل العتق .

                                                                                                                            ( قوله : صح ذلك البعض ) أي حيث كان باقيه حرا أو كان للمشتري ولم يتعلق به حق يمنع صحة العتق كرهن أو لغيره وهو موسر وإلا فلا لعدم حصول المقصود من العتق لكله حالا ا هـ حج . وظاهر كلام البهجة المذكور أنه لا فرق ا هـ سم على حج . ويؤيده أن الشارح متشوف إلى العتق فلا فرق بين كون المشروط عتقه يؤدي إلى تخليص الرقبة من الرق وبين كونه قاصرا على ما اشتراه ، وقياس ما قدمه الشارح فيما لو اشترى كله بشرط إعتاق بعض معين [ ص: 457 ] من الصحة أنه لو اشترى نصفه بشرط إعتاق ربعه صح ( قوله ويكون ) من تتمة كلام المجموع ( قوله أو بيعه ) أي أو شهد ببيعه إلخ ( قوله : بشرط العتق ) أي إذا شهد بشرائه بشرط العتق فلا يصح شراؤه له ولو بالشرط المذكور مؤلف ( قوله كشراء القريب ) أي فلا يصح في الثلاث ( قوله : والأوجه الأول ) قال حج : ومحل البطلان في الكل حيث قصد شرط إنشاء العتق وإلا صح ، وعلى هذا التفصيل يحمل قول من قال بالصحة ومن قال بالمنع ا هـ بالمعنى . قال سم عليه : والمنقول البطلان مطلقا ا هـ . وهو مقتضى إطلاق كلام الشارح ( قوله والأصح أن للبائع ) أي بعد لزوم العقد ; لأن المشتري قبله متمكن من الفسخ ( قوله : في تحصيله لإثابته ) قد يخرج مسألة ابتداء المشتري إلا أن يقال : موافقة البائع كشرطه فليتأمل ا هـ سم على حج .

                                                                                                                            ( قوله : يرده ) ما سيأتي خلافا لابن حجر ( قوله : ولا يلزمه عتقه فورا ) والقياس اللزوم فيما لو شرط البائع على المشتري إعتاقه فورا عملا بالشرط ( قوله : وله قبل عتقه وطؤها ) أي وإن حبلت ويجبر على إعتاقها كما يأتي ( قوله : وكسبه ) قد يشكل بما لو أوصى بإعتاق رقيق فتأخر عتقه عن الموت حتى حصل منه إكساب فإنها له لا للوارث ا هـ سم على حج . وقد يفرق بأن الوصية بالعتق بعد الموت ألزم من البيع بشرط العتق ، إذ لا يمكن بعد الموت رفعها بالاختيار والبيع بشرط العتق يمكن رفعه بالاختيار بالتقايل وفسخه بالخيار والعيب ونحوهما فليتأمل ( قوله : ولا يلزمه صرفها ) أي ; لأن مصلحة الحرية له وقد فاتت ، بخلاف مصلحة الأضحية المنذورة فإنها للفقراء فلذا وجب شراء مثلها بقيمتها إذا تلفت ا هـ سم على حج ( قوله : ولد الحامل ) قال سم على حج : عبارة الروض : وإن شرط عتق حامل فولدت ثم أعتقها ففي عتق الولد وجهان ا هـ . قال في شرحه : والأصح منهما في المجموع المنع لانقطاع التبعية بالولادة ا هـ .

                                                                                                                            واعلم أن في باب التدبير أن المعلق عتقها يتبعها ولدها في العتق إن كان حملا عند التعليق أو الصفة ، وأن في الروض في باب الرهن ما نصه : والحمل المقارن للعقد لا للقبض مرهون فتباع بحملها وكذا إن انفصل ا هـ . وهذا يشكل على ما هنا فليتأمل الفرق ، وقد يقال : إن نظير دخوله في الرهن وبيعه معها مطلقا دخوله هنا في المبيع وثبوت أحكام المبيع له ، وأما العتق فخارج عن أحكام المبيع فلا حاجة لفرق وفيه نظر ( قوله : لا نحو بيع ) أي ولو بشرط العتق أو لمن يعتق عليه [ ص: 458 ] كما هو قضية إطلاقهم وهو ظاهر ، وكذا من نفسه وإن كان عبد عتاقة فيما يظهر ; لأن أخذ العوض خلاف قضية شرط العتق ا هـ سم على حج . وذكر أيضا أن مثل بيعه من نفسه ما لو وهبه لمن يعتق عليه أو بشرط إعتاقه ( قوله لم يجزه ) وهل يعتق عن جهة شرط أو يلغو ما أتى به فيستمر على الرق ويطالب بعتقه ثانيا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول ; لأنه إذا بطل خصوص كونه عن الكفارة بقي مطلق العتق وقد يشعر به قوله عنها .

                                                                                                                            وبقي ما لو باعه ابتداء بشرط الإعتاق عن كفارة المشتري هل يصح البيع أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني ; لأنه ليس في معنى ما ورد في الخبر [ فرع ] لو اشترى رقيقا بشرط إعتاق يده مثلا فهل يصح ويعتق أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول ، ونقل سم عن مر على حج عدم الصحة ، ولعل وجهه أن العضو المعين قد يسقط قبل إعتاقه فلا يمكن إعتاقه بعد سقوطه ومع هذا فالأقرب الصحة ، ويكون شرط ذلك شرطا لإعتاق الجملة إما من باب التعبير بالجزء عن الكل وإما من باب السراية ، والأصل عدم سقوط العضو وبتقدير سقوطه فيحتمل أن يقال يجب إعتاق الجملة ; لأنه التزمه بالتزام إعتاق اليد ( قوله : يقوم مقامه ) أي فيجبر على إعتاقه إن امتنع منه ( قوله : فالأوجه عتقها ) أي عن الشرط ومثلها أولادها الحاصلون بعد الإيلاد فيعتقون بموته .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 456 - 457 ] قوله : أو بيعه ) هو بالجر وفي بعض الهوامش عن الشارح ما نصه : أي شهد بشرائه بشرط العتق فلا يصح بعد ذلك شراؤه له ولو بالشرط المذكور ا هـ ( قوله : بشرط العتق ) قضيته أنه لو اشتراه في مسألة ما لو أقر ببيعه بشرط العتق أو شهد بذلك بدون شرط العتق أنه يصح ، وظاهر أنه غير مراد كما يعلم مما يأتي قريبا في كلامه ، ثم إن ما ذكر هنا قد يشكل على ما صرحوا به من أن شراء من أقر بحريته افتداء وليس بيعا حقيقيا ، ولا يخفى أن الافتداء ليس من العقود التي تتأثر بالشروط الفاسدة فلينظر معه .




                                                                                                                            الخدمات العلمية