الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1211 [ ص: 56 ] 32 - حدثنا مالك بن إسماعيل ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، سمع جابرا رضي الله عنه ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما دفن ، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: " وألبسه قميصه " ، ومالك بن إسماعيل بن زياد النهدي الكوفي وابن عيينة هو سفيان ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار .

                                                                                                                                                                                  وأخرجه البخاري أيضا في الجنائز ، عن علي بن عبد الله ، وفي اللباس عن عبد الله بن عثمان ، وفي الجهاد عن عبد الله بن محمد الجعفي . وأخرجه مسلم في التوبة ، عن زهير بن حرب ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن عبدة . وأخرجه النسائي في الجنائز عن الحارث بن مسكين ، وعبد الجبار بن علاء ، وعبد الله بن محمد الزهري ، فرقهم .

                                                                                                                                                                                  ذكر معناه : قوله : " أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " جملة من الفعل والفاعل ، وعبد الله بالنصب مفعوله . قوله : " بعدما دفن " ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما جاءه إلا بعد أن دفنوه ، فلذلك قال : " فأخرجه " ، أي من قبره ، وقد ذكرنا فيما مضى أن أهل عبد الله بن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره ، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما ذكرناه . قوله : " فنفث فيه من ريقه " ، وفي تفسير الثعلبي : لما مات عبد الله بن أبي انطلق ابنه ليؤذن به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : الحباب ؟ قال: أنت عبد الله ، والحباب شيطان ، ثم شهده النبي صلى الله عليه وسلم ونفث في جلده ودلاه في قبره ، فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى نزلت عليه : ولا تصل على أحد منهم الآية ، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه من حديث ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر : جاء عبد الله بن عبد الله ، فقال : يا رسول الله إن عبد الله قد وضع موضع الجنائز ، فانطلق فصلى عليه . قوله : " وألبسه قميصه " قد مر في حديث ابن عمر أن ابن عبد الله بن أبي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله قميصه فأعطاه ، وقد ذكرنا هناك وجه التوفيق بين الروايتين ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون جابر شاهد من ذلك ما لم يشاهده ابن عمر ، وفي التلويح : كان البخاري فهم من قول جابر : أخرج بعد دفنه فيه ، وألبسه قميصه أنه كان دفن بغير قميص ، فلهذا بوب : " ومن دفن بغير قميص " . قلت هذا الذي قاله إنما يتمشى على الترجمة التي في نسخته التي ادعى أنها كذلك في نسخة سماعه ، وقد ذكرناه وذكرنا أيضا أنه يجوز أن يكون أعطاه قميصين ، ويجوز أن يكون خلع عنه القميص الذي كفن فيه ، وألبسه قميصه صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  ذكر ما يستفاد منه : فيه جواز إخراج الميت من قبره لحاجة ، أو لمصلحة ونفث الريق فيه - قاله الكرماني ، وفي التوضيح : وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إذا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغير ، وقال ابن وهب : إذا سوى عليه التراب فات إخراجه ، وقاله يحيى بن يحيى ، وقال أشهب : إذا أهيل عليه التراب فات إخراجه ، ويصلى عليه في قبره ، وفي المبسوط والبدائع : لو وضع الميت في قبره لغير القبلة ، أو على شقه الأيسر ، أو جعل رأسه في موضع رجليه وأهيل عليه التراب لا ينبش قبره لخروجه من أيديهم ، فإن وضع اللبن ، ولم يهل التراب عليه ينزع اللبن وتراعى السنة في وضعه ويغسل إن لم يكن غسل ، وهو قول أشهب ، ورواية ابن نافع عن مالك ، وقال الشافعي : يجوز نبشه إذا وضع لغير القبلة .

                                                                                                                                                                                  وأما نقل الميت من موضع إلى موضع فكرهه جماعة ، وجوزه آخرون فقيل : إن نقل ميلا ، أو ميلين فلا بأس به ، وقيل : ما دون السفر . وقيل : لا يكره السفر أيضا ، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه : أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع ، وقال : توسعوا في مسجدكم ، وعن محمد أنه إثم ومعصية ، وقال المازري : ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد ، وقد مات سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بالعقيق ودفنا بالمدينة ، وفي الحاوي : قال الشافعي : لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة ، أو المدينة ، أو بيت المقدس ، فأختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها ، وقال البغوي والبندنيجي : يكره نقله ، وقال القاضي حسين والدارمي والبغوي : يحرم نقله ، قال النووي : هذا هو الأصح ، ولم ير أحمد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره ، وقال : قد نبش معاذ امرأته وحول طلحة وخالف الجماعة في ذلك .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية