الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ المسألة الثالثة ]

[ في جنسه ووصفه ]

1 - أما جنسه : فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضا .

[ ص: 409 ] واختلفوا من ذلك في مكانين : في النكاح بالإجارة ، وفي جعل عتق أمته صداقها .

أما النكاح على الإجارة : ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال : قول بالإجازة ، وقول بالمنع ، وقول بالكراهة . والمشهور عن مالك الكراهة ، ولذلك رأى فسخه قبل الدخول ، وأجازه من أصحابه : أصبغ ، وسحنون ، وهو قول الشافعي ، ومنعه ابن القاسم ، وأبو حنيفة إلا في العبد ; فإن أبا حنيفة أجازه .

وسبب اختلافهم سببان :

أحدهما : هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه ، أم الأمر بالعكس ؟ فمن قال : هو لازم أجازه ، لقوله تعالى : ( إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ) الآية . ومن قال : ليس بلازم قال : لا يجوز النكاح بالإجارة .

والسبب الثاني : هل يجوز أن يقاس النكاح في ذلك على الإجارة ؟ وذلك أن الإجارة هي مستثناة من بيوع الغرر المجهول ، ولذلك خالف فيها الأصم وابن علية ، وذلك أن أصل التعامل إنما هو على عين معروفة ثابتة في عين معروفة ثابتة ، والإجارة هي عين ثابتة في مقابلتها حركات وأفعال غير ثابتة ولا مقدرة بنفسها . ولذلك اختلف الفقهاء متى تجب الأجرة على المستأجر .

وأما كون العتق صداقا : فإنه منعه فقهاء الأمصار ما عدا داود ، وأحمد .

وسبب اختلافهم : معارضة الأثر الوارد في ذلك للأصول ( أعني : ما ثبت من : " أنه عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها " ) مع احتمال أن يكون هذا خاصا به عليه الصلاة والسلام لكثرة اختصاصه في هذا الباب ، ووجه مفارقته للأصول أن العتق إزالة ملك ، والإزالة لا تتضمن استباحة الشيء بوجه آخر ، لأنها إذا أعتقت ملكت نفسها فكيف يلزمها النكاح ؟ ولذلك قال الشافعي : إنها إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها ، لأنه رأى أنها قد أتلفت عليه قيمتها إذ كان إنما أتلفها بشرط الاستمتاع بها ، وهذا كله لا يعارض به فعله عليه الصلاة والسلام ، ولو كان غير جائز لغيره لبينه عليه الصلاة والسلام . والأصل أن أفعاله لازمة لنا ، إلا ما قام الدليل على خصوصيته .

2 - وأما صفة الصداق : فإنهم اتفقوا على انعقاد النكاح على العوض المعين الموصوف ( أعني : المنضبط جنسه وقدره بالوصف ) .

واختلفوا في العوض الغير موصوف ولا معين ، مثل أن يقول : أنكحتكها على عبد أو خادم ، من غير أن يصف ذلك وصفا يضبط قيمته ، فقال مالك ، وأبو حنيفة : يجوز . وقال الشافعي : لا يجوز . وإذا وقع النكاح على هذا الوصف عند مالك كان لها الوسط مما سمى . وقال أبو حنيفة : يجبر على القيمة .

وسبب اختلافهم : هل يجري النكاح في ذلك مجرى البيع من القصد في التشاح ، أو ليس يبلغ ذلك المبلغ بل القصد منه أكثر ذلك المكارمة ؟ فمن قال يجري في التشاح مجرى البيع قال : كما لا يجوز البيع على شيء غير موصوف ; كذلك لا يجوز النكاح . ومن قال ليس يجري مجراه إذ المقصود منه إنما هو المكارمة قال : يجوز .

[ ص: 410 ] [ المسألة الرابعة ]

[ في تأجيله ]

وأما التأجيل : فإن قوما لم يجيزوه أصلا ، وقوم أجازوه واستحبوا أن يقدم شيئا منه إذا أراد الدخول ، وهو مذهب مالك . والذين أجازوا التأجيل : منهم من لم يجزه إلا لزمن محدود ، وقدر هذا البعد ، وهو مذهب مالك . ومنهم من أجازه لموت أو فراق ، وهو مذهب الأوزاعي .

وسبب اختلافهم هل يشبه النكاح البيع في التأجيل أو لا يشبهه ؟ فمن قال : يشبهه لم يجز التأجيل لموت أو فراق . ومن قال : لا يشبهه أجاز ذلك . ومن منع التأجيل فلكونه عبادة .

التالي السابق


الخدمات العلمية