الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا دفع العبد المأذون إلى رجل مالا مضاربة فهو جائز ; لأن هذا من صنيع التجار وهو منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار فإن اشترط أن يعمل مولاه معه على أن للعبد نصف الربح ، وللمضارب ربعه ، وللمولى ربعه ولا دين على العبد ، فالمضاربة فاسدة ; لأن المولى يستحق الربح هنا بملك المال فلا يجوز اشتراط عمله فيه .

وإن كان الدافع عبده ; ولأنه لا يجوز أن يكون هو مضاربا لعبده في عمله في المال هنا لو دفعه إليه وحده ، فلهذا كان اشتراط عمله مفسدا للعقد .

وإن كان عليه دين جاز على ما اشترطوا ; لأن عند أبي حنيفة - رحمه الله - المولى لا يملك كسب عبده المديون فهو إنما يستحق الربح بعمله هنا لا بملك المال كأجنبي آخر .

وعندهما وإن كان هو يملك كسب عبده إلا أن حق [ ص: 88 ] الغرماء في كسبه مقدم على حق المولى ، ويجوز أن يكون المولى مضاربا وحده في هذا المال لاعتبار حق الغرماء ، فكذلك يجوز اشتراط عمله مع المضارب ، ويكونان كالمضاربين في هذا المال ، ولو كان العبد اشترط عمل نفسه مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة ; لأن العبد متصرف لنفسه بحكم انفكاك الحجر عنه فهو كالمالك في هذا المال ، ويده فيه يد نفسه ، فاشتراط عمله بعد التخلية بين المضارب والمال فلهذا فسدت المضاربة وللمضارب أجر مثل عمله على العبد ; لأنه هو الذي استأجره للعمل .

ولو كان الدافع مكاتبا واشترط أن يعمل مولاه مع المضارب جاز ; لأن المولى من كسب مكاتبه أبعد منه من كسب العبد المديون ، وهو يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فكذلك مع غيره فإن عجز قبل العمل ولا دين عليه فسدت المضاربة ; لأن المال صار مملوكا للمولى ، وصار بحيث يستحق ربحه بملكه المال ، وقد بينا أن الفساد الطارئ بعد العقد قبل حصول المقصود به كالمقترن بالعقد ; فلهذا فسدت المضاربة فإن اشتريا بعد ذلك وباعا وربحا فالربح كله لرب المال ، والأجر للمضارب في عمله ; لأن رب المال لم يستأجره للعمل والمكاتب بالعجز صار عبدا محجورا عليه ، واستئجار العبد المحجور عليه غيره للعمل في مال مولاه باطل ، واستئجار المكاتب لو كان صحيحا في حال الكتابة يبطل بعجزه فكيف يثبت حكم الاستئجار بعد عجزه ؟ ، موجبا للأجر عليه ، ولو كانا اشتريا بالمال جارية ثم عجز المكاتب فباعا الجارية بغلام ، ثم باعا الغلام بأربعة آلاف درهم فإن المولى يستوفي منها رأس ماله وما بقي فهو بينهما على ما اشترطا ; لأن عجز المكاتب هنا بمنزلة موته ، أو بمنزلة موت الحر ، والموت لا يبطل المضاربة ما دام المال عروضا وإنما يبطل إذا صار المال نقدا فهنا كذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية