الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) : رجل قال لامرأة لا يملكها : يوم أتزوجك فأنت طالق ، وأنت طالق ، وأنت طالق ، أو قال ، إن تزوجتك ، أو إذا تزوجتك ، أو متى تزوجتك فأنت طالق ، وطالق ، وطالق ، ثم تزوجها تطلق واحدة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تطلق ثلاثا ، حجتهما في ذلك أنه علق ثلاث تطليقات مجتمعات بشرط التزوج فيقعن عند وجود الشرط معا كما لو أخر الشرط ، فقال : أنت طالق ، وطالق ، وطالق إذا تزوجتك ، وإنما قلنا ذلك ; لأن الواو للجمع دون الترتيب ، بيانه في آية الوضوء فإنه ثبتت به فرضية الطهارة في الأعضاء الأربعة من غير ترتيب ، والرجل يقول : جاءني زيد وعمرو فيكون مخبرا بمجيئهما من غير ترتيب بينهما في المجيء ; ولأن قوله : وطالق جملة ناقصة معطوفة على الجملة التامة ، فالمذكور في الجملة التامة يصير معادا في الجملة الناقصة كما في قوله تعالى { واللائي لم يحضن } معناه فعدتهن ثلاثة أشهر فهنا يصير كأنه قال : وأنت طالق إذا تزوجتك ، وأنت طالق إذا تزوجتك ، ولو صرح بهذا ، ثم تزوجها طلقت ثلاثا جملة ، فهذا مثله ، وبأن كان لو نجز الطلاق بهذا اللفظ يتفرق الوقوع لا يدل على أنه إذا علق يتفرق كما لو قال لامرأته ولم يدخل بها : إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة لا ، بل اثنتين فدخلت الدار ; تطلق ثلاثا ، ولو نجز بهذا اللفظ الطلاق قبل الدخول لم يقع إلا واحدة ، وهذا ; لأن المنجز طلاق فتبين بالأولى قبل ذكر الثانية ، والمعلق بالشرط ليس بطلاق ، وإنما يصير طلاقا عند وجود الشرط فما صح تعليقه بالشرط ينزل عند وجود الشرط جملة إذا لم يكن في لفظه ما يدل على الترتيب .

وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : تعلق بالشرط ثلاث تطليقات متفرقات فيقعن عند وجود الشرط كذلك كما لو قال : إن تزوجتك فأنت طالق ، وبعدها أخرى ، وبعدها أخرى ، فإذا وقعن متفرقات ، بانت بالأولى فلا تقع الثانية والثالثة كما لو نجز ، وإنما قلنا ذلك ; لأن الواو في اللغة لعطف مطلق من غير أن يقتضي جمعا ، ولا ترتيبا كما في قوله : جاءني زيد ، وعمرو ، لا يقتضي جمعا حتى يستقيم أن يقول وعمرو بعده كما يستقيم أن يقول : وعمرو معه ، فإذا كان للعطف فالتطليقة الأولى تعلقت بالشرط بلا واسطة ، والثانية بواسطة الأولى ; لأنها معطوفة عليها كالقنديل إذا علق بحبل بحلق يتعلق بالحلقة الأولى بلا واسطة ، وبالحلقة الثانية بواسطة الأولى ، وكعقد لؤلؤ ، وإنما ينزل عند وجود الشرط كما تعلق وهب [ ص: 128 ] أنه لم يكن طلاقا يومئذ فإنما يصير طلاقا كما تعلق وهذا بخلاف ما لو أعاد الشرط عند ذكر كل تطليقة ; لأن تعلق كل تطليقة هناك بالشرط بلا واسطة ، وإنما التفرق في أزمنة التعليق ، وذلك لا يوجب تفرقا في المعلق بالشرط وبخلاف قوله إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة لا ، بل اثنتين ; لأن لا ، بل لاستدراك الغلط بإقامة الثاني مقام الأول ، وقد صح ذلك لبقاء المحل بعد ما تعلق الأول بالشرط فتعلق الثنتان بالشرط بلا واسطة كالأولى ، وهنا حرف الواو للعطف ، وبخلاف ما لو نجز بقوله لا ، بل ; لأنها بانت بالأولى فلم يصح منه التكلم بالثنتين ، لعدم المحل ، وأما إذا أخر الشرط فنقول : أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يغير موجب أوله ، وهنا في آخره ما يغير موجب أوله ; لأن أوله إيقاع وبآخره تبين أنه تعليق ، فإذا توقف عليه تعلق الكل بالشرط جملة ، وأما إذا قدم الشرط فليس في آخر الكلام ما يغير موجب أوله فلا يتوقف أوله على آخره ، فإذا لم يتوقف ، كان هذا ، والتنجيز سواء ، ونظيره ما لو تزوج أمتين نكاحا موقوفا ، فقال المولى : أعتقت هذه وهذه ، بطل نكاح الثانية ; لأنه ليس في آخره ما يغير موجب أوله فلم يجعل كعتقهما معا ، ولو زوج أختين من رجل بغير أمره في عقدتين ، فقال الزوج : أجزت نكاح هذه وهذه ، بطل نكاحهما كما لو قال : أجزتهما ; لأن في آخره ما يغير موجب أوله ، وإن قال : إذا تزوجتك فأنت طالق طالق طالق ، ثم تزوجها طلقت واحدة ; لأنه ما عطف الثانية ، والثالثة على الأولى فتتعلق الأولى بالشرط وتلغو الثانية ، والثالثة .

ولو قال : إذا تزوجتك فأنت طالق ، وأنت علي كظهر أمي والله لا أقربك ، ثم تزوجها طلقت وسقط عنه الظهار ، والإيلاء عند أبي حنيفة ; لأن تعلقهما بالشرط بواسطة الطلاق فبسبق وقوع الطلاق تبين لا إلى عدة فلا يكون مظاهرا موليا بعد ما خرجت من ملكه ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمه الله هو مطلق مظاهر مول ; لأن الكل تعلق بالتزويج عندهما جملة ، ولو قال : إذا تزوجتك فوالله لا أقربك ، وأنت علي كظهر أمي ، وأنت طالق ، ثم تزوجها وقع هذا كله عليها ، أما عندهما لا إشكال ، وعند أبي حنيفة ; لأنه سبق الإيلاء ، وتكون بعده محلا للظهار فيصير مظاهرا ، ثم تكون بعدهما محلا للطلاق فيقع الطلاق أيضا وعلى هذا لو قال لامرأته ولم يدخل بها : إن كلمت فلانا فأنت طالق وطالق وطالق فكلمته ، فهي طالق واحدة في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما تقع ثلاثا نص على قولهما رواية أبي سليمان .

ولو قال : أنت طالق فطالق إذا كلمت فلانا فكلم فلانا ; تطلق ثلاثا بالاتفاق ، والفرق لأبي حنيفة ما ذكرنا ولو قال : إن دخلت الدار فأنت طالق [ ص: 129 ] فطالق فطالق ، ذكر الطحطاوي رحمه الله أن هذا على الخلاف أيضا ، وحرف الفاء للعطف كحرف الواو فتطلق ثلاثا عندهما ، والأصح أنها تطلق واحدة عند وجود الشرط ; لأن الفاء للتعقيب في أصل الوضع لا لعطف مطلق فإن كل حرف موضوع لمعنى خاص ، وإذا كان للتعقيب ، ففي كلامه تنصيص على أن الثانية تعقب الأولى فتبين بالأولى لا إلى عدة بخلاف الواو .

وإن قال لها : أنت طالق طالق طالق إن كلمت فلانا ، فإن كان دخل بها تطلق اثنتين في الحال ، والثالثة تعلقت بالكلام ، وإن لم يكن دخل بها ، طلقت واحدة في الحال ويلغو ما سواها ; لأنه ما عطف التطليقات بعضها على بعض ، ولو قال : إن كلمت فلانا فأنت طالق طالق طالق ، فإن كان دخل بها تعلقت الأولى بالكلام ، ووقعت الثانية ، والثالثة في الحال ، وإن لم يدخل بها ، تعلقت الأولى بالكلام وتقع الثانية في الحال ، والثالثة لغو .

ولو قال : أنت طالق ، ثم طالق ، ثم طالق إن كلمت فلانا ، فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إن كانت مدخولا بها يقع في الحال اثنتان ، والثالثة تتعلق بالكلام ، وإن لم يكن دخل بها ، تقع واحدة في الحال ، ويلغو ما سوى ذلك ، وإذا قدم الشرط ، فقال : إن كلمت فلانا فأنت طالق ، ثم طالق ، ثم طالق ، فإن كان قد دخل بها تعلقت الأولى بالشرط ، ووقعت الثانية ، والثالثة في الحال ، وإن لم يكن دخل بها تعلقت الأولى بالشرط ، ووقعت الثانية في الحال ، والثالثة لغو عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى سواء قدم الشرط أو أخر تتعلق الثلاث بالشرط إلا أن عند وجود الشرط إن كانت مدخولا بها ، تطلق ثلاثا ، وإن كانت غير مدخول بها تطلق واحدة فأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : كلمة " ثم " للتعقيب مع التراخي ، فإذا أدخله بين الطلاقين كان بمنزلة سكتة بينهما ، وهما يقولان حرف " ثم " للعطف ، ولكن بقيد التراخي ، فلوجود معنى العطف يتعلق الكل بالشرط ; ولمعنى التراخي يقع مرتبا عند وجود الشرط .

ولو قال : كلما تزوجت امرأة فهي طالق فتزوجها ثلاث مرات ، ودخل بها في كل مرة لم يذكر هذا في الأصل ، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى في الأمالي : تطلق اثنتين ، وعليه لها مهران ونصف ، وقال محمد رحمه الله تعالى : تطلق ثلاثا ، وعليه لها أربعة مهور ونصف ، ذكره في الرقيات .

وجه تخريج أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لما تزوجها وقعت تطليقة قبل الدخول ، ولزمه نصف مهر فلما دخل بها لزمه بالدخول ، ثم لما تزوجها ، وقعت تطليقة أخرى بكلمة كلما ولكنها تكون رجعية عنده ; لأنه تزوجها قبل انقضاء عدتها منه وبنفس التزوج وجب مهر آخر ، وذلك مهران ونصف ، ثم [ ص: 130 ] بالدخول يصير مراجعا ، والتزوج في المرة الثالثة لغو فهي عنده بتطليقة ، وعليه لها مهران ونصف ، وتخريج قول محمد رحمه الله تعالى أن بالتزوج الأول وقعت تطليقة ، ووجب نصف مهر بالطلاق ، ومهر بالدخول ، وكذلك بالتزوج الثاني ، والثالث ; لأن عنده ، وإن حصل التزوج في العدة لا يخرج به الطلاق من أن يكون واقعا قبل الدخول فتطلق ثلاثا وعليه أربعة مهور ونصف ، ولو قال : كلما تزوجتك فأنت طالق بائن ، والمسألة بحالها فعند محمد رحمه الله تعالى هذا ، والأول سواء وعند أبي يوسف تطلق ثلاثا بكل تزوج تطليقة بائنة ، وعليه خمسة مهور ونصف ; لأن بالعقد الثاني ، والثالث في العدة كما وقع طلاق بائن وجب مهر تام ، وكذلك يجب بكل دخول مهر تام ، فإذا جمعت ذلك كان خمسة مهور ونصفا ، وإذا : قال كل امرأة أتزوجها أبدا فهي طالق فتزوج امرأة فطلقت ، ثم تزوجها ثانية لم تطلق ; لأن كلمة " كل " تقتضي جميع الأسماء لا تكرار الأفعال ، فإنما يتجدد وقوع الطلاق بتجدد الاسم ، ولا يوجد ذلك بعقدين على امرأة واحدة بخلاف كلمة كلما فإنها تقتضي تكرار الأفعال ، وإنما قلنا ذلك ; لأن مقتضى كلمة كل الجمع فيما يتعقبها ، والذي يتعقب الكل الاسم دون الفعل يقال : كل رجل وكل امرأة ، ولا يستقيم أن يقال : كل ضرب ، وكل دخل والذي يتعقبه كلمة كلما الفعل دون الاسم يقال ، كلما ضرب ، وكلما دخل ، ولا يقال : كلما زيد ، وكلما عمرو .

التالي السابق


الخدمات العلمية